من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم: طريق طويل يجب قطعه

8 Min Lire

يعمل نحو ثلثي العمال في العالم في وظائف غير رسمية، غير أن هذه النسبة تختلف من بلد إلى آخر، وتكون أعلى في البلدان النامية. كما أن حجم الاقتصاد غير المنظم يعكس مستوى تطور البلد. لذلك فإن الانتقال العادل والواقعي من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم بما يتيح للجميع الوصول إلى عمل لائق (بالمعنى الذي تعتمده منظمة العمل الدولية)، وإلى الحماية والأمان، وإلى مكانة معترف بها داخل اقتصاد البلد لا يمكن أن يتم إلا بشكل تدريجي.

في تونس، يعمل جزء كبير من السكان في وظائف غير رسمية وغير مصرح بها، دون حماية اجتماعية أو عقود عمل، أي دون احترام للتشريعات الرسمية المنظمة للمؤسسات وللعمال. ويُقدَّر عدد هؤلاء بحوالي 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب نصف القوة العاملة (44.8٪ سنة 2019)، يعملون في الاقتصاد غير المنظم.

عمّ نتحدث تحديدًا؟

يشمل الاقتصاد غير المنظم كلاً من الوظائف غير الرسمية والقطاع غير المنظم، الذي يتكوّن من مجموع المؤسسات غير الرسمية ووحدات الإنتاج الأخرى التي تعمل داخل الأسر. وبحكم التعريف، فإن القطاع غير المنظم والوظائف غير الرسمية يوجدون في وضع لا يتوافق مع كل أو بعض الالتزامات القانونية التي تنظّم أنشطتهم، خاصة فيما يتعلق بالتسجيل القانوني، ومسك محاسبة مطابقة للمعايير، والجباية، والحماية الاجتماعية، وقواعد الصحة والسلامة، واحترام ظروف العمل المنصوص عليها في مجلة الشغل.

ومع ذلك، فإن الاقتصاد غير المنظم لا يشمل الأنشطة غير القانونية مثل الاتجار بالمخدرات أو تجارة الأسلحة أو حتى التهريب.

وتكون المؤسسات غير الرسمية في الغالب صغيرة جدًا، لكنها ليست خفية أو سرية؛ فهي تمارس أنشطة عادية بشكل علني. ومن أمثلتها الباعة المتجولون في الفضاءات العامة، والمؤسسات الصغيرة في قطاع البناء، وباعة الخضر والغلال الصغار، وكذلك صغار الفلاحين أو الأنشطة التي تُمارَس داخل المنازل (مثل إعداد الحلويات للبيع أو صناعة السجاد…).

أين تتركز الوظائف غير الرسمية أكثر؟

في تونس، يبرز الاقتصاد غير المنظم بشكل كبير في بعض القطاعات، على رأسها: الزراعة، والبناء، والتجارة. هذه القطاعات الثلاث وحدها تمثل أكثر من ثلثي الوظائف غير الرسمية. كما تنتشر هذه الظاهرة أيضًا في قطاعي النقل والمطاعم.

ومن الملاحظ أيضًا أن هناك نسبة أكبر من الوظائف غير الرسمية ذات الدخل المحدود في المناطق الريفية وفي الجهات الغربية من البلاد، ويرجع ذلك إلى هيمنة الزراعة في هذه المناطق. كما أن الفقر وضعف هذه الوظائف يدفع العديد من الأشخاص إلى الهجرة بحثًا عن مصادر دخل أفضل في المدن.

خيار أم قيد؟

هل يعمل من يعملون في القطاع غير الرسمي باختيارهم؟ لا يمكن استبعاد أن بعض الأشخاص أو المؤسسات يفضلون العمل في الاقتصاد غير المنظم، حيث يمكنهم تجنّب العقوبات القانونية والاستفادة من مزايا عدم الرسمية (كالتهرّب من الضرائب، أو من الاشتراكات في الضمان الاجتماعي، أو تجاوز الإجراءات الإدارية…)، رغم أنهم قد يكونون قادرين على الالتزام بالشروط الرسمية.

لكن هذا ليس الحال بالنسبة للأغلبية. فمعظم العاملين في القطاع غير المنظم لم تتح لهم الفرصة مطلقًا للوصول إلى عمل قانوني ومنظم ومستقر؛ هم مستبعدون منه. إنهم يفعلون ما يستطيعون، باستخدام الموارد المتاحة لديهم لتأمين حاجاتهم المعيشية.

استنادًا إلى استطلاع أجراه المعهد الوطني للإحصاء (INS) والمكتب الوطني للاقتصاد الكمي (ONEQ) في 2019، فإن 87٪ من أصحاب المؤسسات الصغيرة والعاملين المستقلين في القطاع غير الرسمي يكسبون أقل من 600 دينار شهريًا. وغالبًا ما يكونون من باعة الأحياء، أو حرفيين، أو فلاّحين محدودي الموارد. أما الأقلية فقط، نحو 2.5٪ تقريبًا، فلديها القدرة على الاختيار بين البقاء في القطاع غير الرسمي أو الانتقال إلى النظام الرسمي.

لماذا يُعدّ هذا مشكلة؟

على الرغم من أن الاقتصاد غير المنظم يتيح لملايين الأشخاص فرصة العمل، إلا أنه يطرح عدة مشاكل:

  • العمال في وضع هش: لا توجد عقود عمل، ولا تأمين صحي، ولا معاش تقاعدي.
  • الدخول غالبًا منخفضة جدًا: أكثر من نصفهم يكسبون أقل من 400 دينار شهريًا (سنة 2019).
  • المؤسسات صغيرة: فهي تفتقر إلى التمويل، ولا تستطيع التوسع أو التحديث، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاجيتها. وغالبًا ما تكون غير قادرة على تحمل تكاليف الانتقال إلى الرسمية (ضرائب، ضمان اجتماعي، محاسبة، تسجيل…)؛ وقد تقع في منافسة غير عادلة مع المؤسسات الرسمية.
  • خسارة مالية للدولة: هناك شركات وعمال غير رسميين يحققون دخولًا مرتفعة نسبيًا وكان يجب عليهم دفع الضرائب والمساهمات الاجتماعية، لكنهم يتجنبون ذلك. وهذه الظاهرة تمثل خسارة كبيرة للدولة وتشكل ظلمًا.
  • ظلم للمؤسسات الرسمية: الشركات التي تلتزم بالقوانين تكون في وضع غير متكافئ مقارنة مع تلك التي لا تدفع شيئًا.

هل يمكن تغيير الوضع؟

الاقتصاد غير المنظم يتكون من فئات متنوعة جدًا، لذلك لا توجد حل واحد يناسب الجميع، ويجب تكييف الحلول حسب كل فئة:

  • من يمكنهم التحول إلى الرسمية: يحتاجون إلى إجراءات أبسط تجمع بين سلطة الدولة وإجراءات تحفيزية، مثل تحسين الوصول إلى التمويل وإرساء إطار واضح يظهر مزايا الانتقال إلى الرسمية.
  • من لديهم نشاط متواضع لكن منتظم: يمكنهم المساهمة بقدر إمكانياتهم إذا وُضعت قواعد مرنة وملائمة لواقعهم.
  • الأكثر هشاشة: الذين لا يستطيعون التحول إلى الرسمية بمفردهم، يجب أولًا أن يستفيدوا من حماية اجتماعية أساسية — مثل الصحة، والمعاش، والتأمين ضد الحوادث — يمول جزء منها التضامن الوطني، بالإضافة إلى برامج محددة لتحسين وضعهم، مثل توفير أماكن مناسبة للبائعين المتجولين، ووسائل نقل، وسكن مناسب لعاملين في البناء، وتكوين مهني…

هذه المقاربة التدريجية، المستهدفة والواقعية هي التي ستسمح بتحقيق تقدم ملموس. ومع ذلك، تبقى الحلول طويلة الأمد مرتبطة بتطوير المؤسسات الرسمية وخلق وظائف رسمية ولائقة.

ثلاث ركائز لتحويل الاقتصاد غير المنظم

من غير الواقعي توقع تحويل جميع المؤسسات غير الرسمية إلى رسمية بين ليلة وضحاها. بل تعتمد الاستراتيجية الموصى بها على نهج تدريجي ومستهدف. ويمكن تصنيف المؤسسات والوظائف غير الرسمية إلى ثلاث فئات رئيسية، كل فئة تستدعي حلولًا محددة.

    • تحويل الأكثر قدرة إلى الرسمية: هناك نحو 20 ألف صاحب عمل و30 ألف عامل مستقل غير رسمي (وربما أكثر، إذ أن البيانات المتوفرة غير كاملة) لديهم دخل كافٍ للالتزام بالقوانين. لتحقيق ذلك، يجب تبسيط الإجراءات، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وإظهار مزايا التسجيل الرسمي بوضوح، مع تعزيز الرقابة على احترام القوانين لهذه الفئة.
    • مرافقة الفئة الوسطى: هناك نحو 60 ألف عامل لديهم دخل متواضع لكنه منتظم. يمكنهم البدء بالمساهمة في الضرائب والمساهمات الاجتماعية إذا وُضعت لهم قواعد مرنة ومناسبة لوضعهم.
    • حماية الأكثر هشاشة: الفئة الأشد ضعفًا، التي لا تستطيع الانتقال إلى الرسمية بمفردها، بحاجة بالأساس إلى حماية اجتماعية (صحة، معاش، تأمين ضد الحوادث)، يمول جزء منها التضامن الوطني، لتحسين حياتهم اليومية.
منجي بوغزالة – أستاذ اقتصاد

للاطلاع على موجز السياسات

هياكل الاقتصاد غير الرسمي في تونس: حدود التحول إلى الرسمية

Partager cet article