مسؤولون… ولكن إلى أي حد؟ ماذا يفعل فعلاً أرباب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في المغرب العربي من أجل البيئة والمجتمع؟

7 Min Lire

يمتلك كل من المغرب وتونس أدوات دولية وأطرًا وطنية لتشجيع المؤسسات على اعتماد ممارسات أكثر مسؤولية. ومع ذلك، وعلى أرض الواقع، لا تزال المؤسسات الصغرى والمتوسطة متأخرة بشكل كبير. وبين النوايا الحسنة والواقع الاقتصادي، لا يزال الفارق واسعًا.

أصبحت مصطلحات مثل المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، والتنمية المستدامة، وشهادات الجودة (ISO) جزءًا أساسيًا من عالم الأعمال. لكن ماذا تعني فعليًا هذه المفاهيم بالنسبة لصاحب مؤسسة صغيرة في الدار البيضاء أو تونس العاصمة، الذي يواجه يوميًا تحديات البقاء الاقتصادي؟ هذا هو السؤال المحوري في دراسة مقارنة بين ضفتي المغرب العربي الأوسط. ويستند هذا التحليل خصوصًا إلى المقال: تحليل مقارن للإطار المؤسساتي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في المغرب وتونس، من إعداد إمنا قانة-وصلاتي ودانيال لابارون، والمنشور في مجلة Management & Avenir.

الاستنتاج العام متوازن: رغم توفر الأدوات، فإن اعتمادها ما يزال محدودًا بسبب عراقيل واقعية.

المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات (RSE) تعني ببساطة أن تأخذ المؤسسة بعين الاعتبار تأثير نشاطها على الأشخاص والبيئة، إلى جانب هدف الربح فقط. وهي ليست التزامًا قانونيًا، بل خيارًا طوعيًا، وهو ما يفسر صعوبة تفعيلها على نطاق واسع.

ترسانة من الأدوات الدولية… لكن استعمال محدود

منذ بداية الألفية، أصبح بإمكان المؤسسات عبر العالم الانخراط في آليات دولية لإظهار التزامها بالمسؤولية. أبرزها الميثاق العالمي للأمم المتحدة الذي يجمع الشركات والمجتمع المدني حول عشرة مبادئ تتعلق بحقوق الإنسان، والعمل اللائق، وحماية البيئة، ومكافحة الفساد.

في جوان 2010، كان عدد المنخرطين في المغرب 24 منظمة، وفي تونس 34، وهي أرقام ضعيفة مقارنة بـ126 مؤسسة في إسبانيا و67 في السويد.

كما يمكن للمؤسسات إعداد تقارير التنمية المستدامة وفق معايير GRI (Global Reporting Initiative)، وهي بمثابة تقرير سنوي لقياس الأداء الاجتماعي والبيئي. لكن مرة أخرى، لم تكن سوى 3 مؤسسات مغربية و6 تونسية قد اعتمدت هذا الإطار في 2010، مقابل 42 مؤسسة ألمانية و26 فرنسية.

أما شهادات الجودة ISO، فرغم تطورها، ما تزال دون الإمكانيات الحقيقية. ففي سنة 2008، حصلت 405 مؤسسة مغربية و848 مؤسسة تونسية على شهادة ISO 9001 (الجودة). أما شهادة ISO 14001 الخاصة بالبيئة، فلم تشمل سوى 54 مؤسسة في المغرب و102 في تونس.

بلدانان، مقاربتان وطنيتان مختلفتان

على مستوى السياسات الوطنية، طوّر كل من المغرب وتونس آلياته الخاصة، ولكن بتركيزات مختلفة.

في المغرب، جاء الالتزام من الأعلى إلى الأسفل: ففي سنة 2005، وضع خطاب ملكي رسميًا “الاستثمار المسؤول اجتماعيًا” في صلب الأولويات الاقتصادية. ومنذ ذلك الحين، بنى البلد إطارًا قانونيًا تدريجيًا يشمل: مدونة شغل مُحدّثة، قانونًا للبيئة، وجهودًا لمكافحة الفساد، إضافة إلى وضع معايير وطنية خاصة بالتسيير الاجتماعي داخل المؤسسات.

نقطة قوة بارزة: شهادة CGEM التي تمنحها الجامعة العامة لمقاولات المغرب. هذه الشهادة الخاصة بالمسؤولية الاجتماعية (RSE)، والتي تُجدد كل ثلاث سنوات، توفر للمؤسسات الحاصلة عليها امتيازات ملموسة مثل تبسيط الإجراءات الجمركية والجبائية، والحصول على شروط بنكية تفضيلية. وفي يونيو 2010، كان 23 مؤسسة تستفيد من هذا التصنيف.

في تونس، يتجه المقاربة أكثر نحو التنمية المستدامة بشكل شامل. فقد أطلق البلد برنامجًا وطنيًا للنهوض بالجودة (2005–2009)، بتمويل مشترك بين الدولة والاتحاد الأوروبي، مع منح وحوافز جبائية لتشجيع المؤسسات الصناعية على الحصول على الشهادات. كما أن منظومة التقييس التونسية، المنظمة بشكل متقدم بأكثر من 10,000 معيار و128 لجنة فنية، تعكس إرادة واضحة للتحديث العميق. ونتيجة لذلك، ارتفع عدد المؤسسات التونسية الحاصلة على شهادات الجودة من 10 فقط بين 1995 و2007 إلى أكثر من 800 مؤسسة.

باختصار: اعتمد المغرب إطارًا يركز أكثر على المسؤولية الاجتماعية كأداة لتعزيز التنافسية والصورة، بينما اعتمدت تونس مقاربة تقوم على إدماج التنمية المستدامة ضمن الاستراتيجية الصناعية الوطنية.

لماذا تبقى المؤسسات الصغرى والمتوسطة في الهامش؟

هذه ربما أهم إشكالية. فالمؤسسات الصغرى والمتوسطة تشكل النسيج الاقتصادي في البلدين، لكنها الأقل تبنيًا لممارسات المسؤولية الاجتماعية. وتُظهر الدراسات الميدانية مع مسؤولي الشركات في المغرب وتونس مفارقة واضحة: أغلبهم يعرف مفهوم المسؤولية الاجتماعية ويدرك فوائده مثل تحسين صورة المؤسسة، كسب ولاء الحرفاء، وجذب الشركاء. لكن عند الانتقال إلى التطبيق، تتراكم العوائق.

العائق الأول: نقص الموارد

الوقت، والمال، والموارد البشرية المؤهلة… كلها عناصر تفتقر إليها المؤسسات الصغرى بشكل كبير. وعندما تكون الأولوية هي دفع الأجور في نهاية الشهر، فإن المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات (RSE) تتراجع إلى مرتبة ثانوية.

العائق الثاني: ضعف المعلومة

في دراسة أُجريت على مؤسسات صغيرة ومتوسطة في جهة فاس، صرّح أكثر من 70% من المسؤولين الذين تم استجوابهم بأنهم لا يعرفون المؤسسات التي يمكن أن تساعدهم على تطبيق نهج المسؤولية الاجتماعية، فيما أكد 77% أنهم يجهلون الأدوات المتاحة لذلك.

العائق الثالث: ثقافة الحوكمة

في البلدين، ما تزال العلاقات الاقتصادية قائمة إلى حد كبير على الثقة الشخصية والشبكات غير الرسمية، أكثر من اعتمادها على قواعد شفافة وملزمة. ونتيجة لذلك، فإن الضغوط الخارجية الداعية إلى سلوك مسؤول تكون أقل تأثيرًا مقارنة بأوروبا.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست سلبية بالكامل. فهناك مدراء في تونس والمغرب يلتزمون بممارسات المسؤولية الاجتماعية ليس بدافع الإلزام، بل بدافع القناعة الشخصية والأخلاق. ففي صناعة الملابس في تونس خصوصًا، قام بعض أصحاب المؤسسات بدمج القيم الاجتماعية والبيئية ضمن استراتيجياتهم، وغالبًا ما يرتبط ذلك بثقافة عائلية متوارثة عبر الأجيال. وتُظهر هذه الأمثلة أن مسؤولية اجتماعية حقيقية ممكنة، حتى في سياقات اقتصادية صعبة.

لا يزال الطريق طويلًا، لكنه موجود. ولتشجيع مزيد من المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الانخراط فيه، تبدو ثلاثة رافعات أساسية: تحسين إعلام وتوعية المسؤولين، تعزيز الدعم المؤسساتي الملموس، وترسيخ المسؤولية الاجتماعية داخل ممارسات الحوكمة اليومية بدل حصرها في الشركات الكبرى والخطابات الرسمية.

إيكوتوس

للاطلاع على المقال:

“Analyse comparative Maroc-Tunisie du cadre institutionnel de la RSE dans les PME” من إعداد أمنة قانة-الوسلاتي، خبيرة في الإقتصاد وباحثة في PS2D، كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس المنار، ودانيال لابارون، خبير في الإقتصاد وباحث في LARE-efi، جامعة مونتسكيو بوردو 4، منشور في مجلة Management & Avenir، 2011/3، العدد 43، الصفحات 103–121، منشورات Management Prospective. متاح على  Cairn.info  

 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *