ماذا لو لم تكن أزمة الدين حتمية؟ منهجية جديدة لرؤية الأمور بوضوح

4 Min Lire

ماذا لو لم يكن انفجار الدين العام حتمياً، بل سيناريو يمكن تجنبه؟
توفر الآن مقاربة مبتكرة إمكانية توقع تطوّر الدين التونسي مع الأخذ في الاعتبار حالة عدم اليقين المرتبطة بالأزمات المستقبلية، مما يمنح رؤية استشرافية لمسارات الدين المحتملة… ويساعد في توجيه خيارات السياسة العامة
.

بين عامي 2010 و2018، ارتفع الدين العام التونسي من 40٪ إلى 77٪ من الناتج المحلي الإجمالي. كان هذا ارتفاعاً سريعاً، مدفوعاً بالنفقات بعد الثورة، والاحتياجات الاجتماعية، والتوترات السياسية… ثم عمّقت أزمة كوفيد-19 الفجوة أكثر. فكيف يمكن معرفة ما إذا كان هذا الدين لا يزال قابلاً للتحمّل بالنسبة للبلاد؟

للإجابة على هذا السؤال، تعتمد هذه المقاربة على طريقة عشوائية (ستوكاستيكية) تستند إلى محاكاة متعددة تأخذ بعين الاعتبار عدم اليقين الاقتصادي. بدلاً من الاعتماد على سيناريو واحد، تنتج هذه الطريقة مجموعة واقعية من المسارات المحتملة، مما يسمح بتقييم قدرة السياسات العامة على الصمود أمام الأزمات.

الدين العام: كل شيء يعتمد على رد فعل الدولة

تتمثل أصالة هذه الدراسة في محاكاة 1000 سيناريو مختلف للدين التونسي خلال الفترة 2018-2022. تأخذ هذه التوقعات في الاعتبار التقلبات الاقتصادية (النمو، أسعار الفائدة، التضخم)، وكذلك طريقة استجابة الدولة لزيادة دينها.

تم اختبار خمس حالات من الأكثر تفاؤلاً إلى الأكثر خطورة:

  1. السيناريو “الواقعي، حيث تتصرف الحكومة بشكل معتدل
  2. سيناريو دون أي رد فعل على الدورة الاقتصادية (النمو أو التباطؤ)
  3. سيناريو عدم الرد الكلي على ارتفاع الدين (الأكثر خطورة)
  4. سيناريو مع رد فعل قوي من السلطات العامة
  5. سيناريو يتم فيه تحقيق الأهداف المالية المقررة بالكامل.

وتظهر النتائج أن السيناريوهين 4 و5 فقط قادران على تصحيح مسار الدين. أما في غياب أي رد فعل، فقد يتجاوز الدين العام 90٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله شبه غير قابل للتحمّل.

منهجية مبتكرة للتعامل مع حالة عدم اليقين

بدلاً من الاكتفاء بتوقع اقتصادي واحد، تستوحي هذه المقاربة من النماذج الجوية (التحليل العشوائي/الستوكاستيكي). فهي تتيح محاكاة نطاق واسع من التطورات المحتملة، مع الأخذ بعين الاعتبار التقلبات الواقعية.

صورة توضيحية: تخيل طائرة تحلّق فوق منطقة بها اضطرابات جوية. لا يوجد مسار واحد محدد للطيار، بل مجموعة من المسارات المحتملة حسب الرياح، والطقس، واستجابة أدوات التحكم. هذا بالضبط ما تفعله المحاكاة العشوائية هنا: فهي تتوقع “الاضطرابات” في الاقتصاد لتتمكن من تلافي الخروج عن المسار الصحيح.

تتيح هذه المقاربة أيضًا قياس أثر الصدمات الاستثنائية، مثل صدمة كوفيد-19. والنتيجة واضحة تمامًا: فالمسار الفعلي للدين التونسي في عام 2021 (قرابة 88.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي) يتطابق بالضبط مع السيناريو الأكثر تشاؤمًا، أي سيناريو حكومة قليلة الاستجابة.

دين عام، وخيارات سياسية

الدين العام ليس بمعزل عن التحكم السياسي؛ فمساره يعتمد مباشرة على القرارات المتخذة في مجالات الإنفاق، والضرائب، والحوكمة.

منذ عام 2018، تم الشروع في بعض الإصلاحات: تعديل أسعار الطاقة، وإصلاح الضريبة على القيمة المضافة، وإصدار قانون عضوي جديد للميزانية. تسير هذه الإجراءات في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل غير كافية دون بذل جهد أكبر لتعزيز التوازن المالي، خصوصًا بعد الأزمة الصحية. ويشارك صندوق النقد الدولي هذا الرأي، مؤكدًا على الحاجة الملحة للإصلاحات للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ان الدين العام ليس مجرد رقم؛ إنه انعكاس لخيارات سابقة ورهانات على المستقبل. وبفضل مقاربة دقيقة وواقعية، تقدّم هذه الدراسة أدوات ثمينة لفهم أفضل للدين العام التونسي، ولتجنب أن يتحول إلى عبء على الأجيال القادمة.

هالة بن حسين الخلادي – أستاذة باحثة في جامعة تونس المنار 

للاطلاع على الدراسة

 “Public Debt Sustainability Assessment for Tunisia: Was the Stochastic Approach Powerful to Show Covid-19 Shock Impact ?”, publiée dans le International Journal of Economics, Business and Management Research (vol. 6, n°3, 2022).

Partager cet article