ليُتخيَّل صنبور يتدفّق منه خُمس النفط المُستهلَك على كوكب الأرض. هذا الصنبور هو مضيق هرمز، المحصور بين إيران وشبه الجزيرة العربية، والذي لا يتجاوز عرضه 50 كيلومترًا في أضيق نقاطه. لو أُغلق هذا الممر، ولو مؤقتًا، لارتفعت أسعار النفط الخام في غضون ساعات في جميع أسواق العالم. اليابان أدركت ذلك جيدًا: بدأت طوكيو فعلًا في تفعيل احتياطياتها الاستراتيجية تحسّبًا لأي انسداد محتمل. وقوى آسيوية أخرى تسير على النهج ذاته، مدركةً أن الاعتماد على هذا الممر البحري يُشكّل ثغرة استراتيجية بالغة الخطورة.
أمّا تونس فتجد نفسها في وضع أكثر هشاشة بكثير. يستورد البلد الجزء الأكبر من طاقته ويُخصّص سنويًا مليارات الدنانير في شكل دعم للحفاظ على أسعار المحروقات في مستوى مقبول للأسر. ومع كل ارتفاع في سعر البرميل، تتلقّى المالية العمومية الضربة. في مقال نشره موقع كابيتاليس في 26 مارس 2026، يدقّ حسام الجلاصي، مؤسس منصة Planif Pay، ناقوس الخطر ويطرح مسارًا للتفكير بسيطًا وعميقًا في آن واحد.
مضيق بعيد يُثقل مباشرة جيوب التونسيين
نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط يعبر يوميًا مضيق هرمز. التوترات الجيوسياسية في المنطقة — بين التنافس الإيراني والوجود العسكري الأمريكي وعدم الاستقرار المزمن — تجعل هذا الممر البحري برميل بارود دائمًا. أي اضطراب، حتى مجرد التلويح بالإغلاق، يكفي لرفع أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية. وتداعيات ذلك تنتشر كموجة صادمة، تطال في المقام الأول الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على استيراد الطاقة.
بالنسبة لبلد مثل تونس، تكاد هوامشه الميزانية تنعدم، فإن كل دولار إضافي على سعر البرميل يعني تعميقًا للعجز العمومي. دعم الطاقة، الذي يُفترض أن يحمي القدرة الشرائية للمواطنين، يتحوّل إلى ثقب أسود مالي. الأمر أشبه بأسرة تعيش على المكشوف: أدنى طارئ قد يُخلّ بالتوازن بأكمله. والاعتماد على الجزائر المجاورة لتأمين إمداد طاقي بديل، كما يُقترح أحيانًا، يظل خيارًا هشًا وغير كافٍ. السيادة الاقتصادية لا تُستورَد.
الحافلة، أداة السيادة الطاقية التي لا يراها أحد
هنا يأخذ تحليل الجلاصي منعطفًا مفاجئًا. بدلًا من الاكتفاء بالخطابات الكبرى حول التحوّل الطاقي أو الشراكات الدولية، يُشير إلى رافعة ملموسة وقابلة للتفعيل فورًا: تعزيز أساطيل الحافلات ووسائل النقل العمومي.
المنطق واضح وبسيط. كل سيارة خاصة تُسحب من الطريق لصالح رحلة في حافلة تعني وقودًا مُوفَّرًا. على مستوى مدينة كتونس العاصمة، ثم على مستوى البلاد بأسرها، تُمثّل هذه الوفورات المتراكمة تخفيفًا ملموسًا من فاتورة الطاقة الوطنية. استيراد أقل للمحروقات يعني دعمًا أقل، وبالتالي مالية عمومية أصحّ وميزانية أقدر على امتصاص الصدمات الخارجية. بعبارة أخرى، حافلة مليئة بالركّاب في ساعات الذروة تُوازي عشرات عمليات التعبئة بالبنزين يوميًا.
لهذا النهج أيضًا ميزة الجدوى. فخلافًا لمشاريع البنية التحتية الضخمة التي تتطلب سنوات من التخطيط وتمويلات هائلة، يمكن تحسين تواتر خطوط الحافلات الحالية وتغطيتها بسرعة وبموارد معقولة. إنها رافعة بسيطة، ملموسة، وقابلة للتفعيل فورًا — خطوة أولى نحو سياسة طاقية سيادية حقيقية.
الاستباق بدل ردّ الفعل، سمة الاقتصادات الصامدة
«الدول التي تعبر أفضل الفترات غير المستقرة هي تلك التي تُحوّل الاستباق إلى فعل ملموس»، يُذكّر الجلاصي. هذه العبارة تختصر وحدها التحوّل المطلوب في طريقة التفكير. لطالما أدارت تونس أزماتها الطاقية في حالة طوارئ، مُرقّعةً الثغرات بمزيد من الدعم أو بالاقتراض الخارجي، دون أن تُعالج يومًا الأسباب الهيكلية لهشاشتها.
التحدي الآن هو الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الوقاية. الاستثمار بقوة في النقل الجماعي، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الطاقات المتجددة: كلها أوراش لا تنتمي إلى الخيال العلمي بل إلى حيّز الإرادة السياسية. النقل العمومي تحديدًا يُقدّم ميزة ثلاثية: يُقلّص التبعية للنفط، ويُحسّن جودة الحياة في المدن، ويُحرّر موارد ميزانية لأولويات اجتماعية أخرى كالصحة والتعليم.
الأزمة القادمة في مضيق هرمز ليست فرضية بعيدة — إنها مسألة توقيت. أمام تونس خياران: مواصلة الإبحار على غير هدى وتلقّي الصدمات، أو البدء من الآن في بناء ممتصّاتها الاقتصادية. وماذا لو كانت الخطوة الأولى، الأكثر يسرًا، هي ببساطة إنزال مزيد من الحافلات إلى الشوارع؟