عندما يعيد البحث التونسي ابتكار نفسه بفضل الرقمنة

6 Min Lire

تنفتح الجامعة التونسية تدريجيًا على الإنسانيات الرقمية، وهو مجال يقع عند تقاطع العلوم الإنسانية والتكنولوجيا. ورغم أن هذا المجال لا يزال غير معروف على نطاق واسع لدى الجمهور، فإنه يحمل إمكانات كبيرة لتحويل الطريقة التي تُنتج بها المعرفة وتُتداول. وتسلّط الدراسة المعنونة تدريس الإنسانيات الرقمية في تونس: الشروط والممارسات والخيارات، المنشورة في مجلة Humanités numériques، الضوء على هذا المسار الذي لا يزال في طور التشكل، والذي يساهم بالفعل في رسم ملامح مستقبل التعليم العالي في تونس.

تشير الإنسانيات الرقمية إلى التقاء الثقافة بالتكنولوجيا الرقمية. فخلف هذا المصطلح الأكاديمي يكمن مفهوم بسيط: استخدام الأدوات الرقمية (قواعد البيانات، البرمجيات، المنصات التعاونية) لفهم معارفنا بشكل أفضل، والحفاظ عليها، ونقلها إلى الأجيال القادمة.

في تونس، لا تزال هذه المقاربة حديثة نسبيًا. فهي لا تمثل بعدُ اختصاصًا أكاديميًا رسميًا، لكنها تجذب اهتمامًا متزايدًا لأنها تطرح سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن لتونس ألا تبقى على هامش التحول الرقمي العالمي؟

وقد ساهم مشروع “Erasmus+ Raqmyat”، الذي يجمع بين جامعات تونسية وأوروبية، في فتح الطريق من خلال تصميم مقرر تمهيدي في الإنسانيات الرقمية. ولا يقتصر الرهان هنا على مجرد تحديث تقني، بل يتعلق بتكوين الباحثين والباحثات في المستقبل وفق منهجيات وقيم عالم علمي مترابط.

تعليم لا يزال في طور البناء

لا توجد في تونس حتى الآن شعبة جامعية واضحة تحمل اسم الإنسانيات الرقمية. فالدروس المرتبطة بهذا المجال موزعة على عدة تكوينات، خصوصًا في المعهد العالي للتوثيق بمنوبة. وهذا يعني أن الكثير يعتمد على المبادرات الفردية للأساتذة. فبعضهم ينظم ورشات للكتابة العلمية عبر الإنترنت، بينما يعرّف آخرون طلبتهم على منصات مثل ويكيبيديا أو مدونات البحث العلمي.

تسمح هذه المبادرات الإبداعية بوضع أسس مجال ناشئ، لكنها تظل هشة في غياب اعتراف مؤسسي واضح. فبدون هيكلة واضحة، يبقى التعليم غير متكافئ بين الجامعات، حسب الإمكانات المتوفرة.

ومع ذلك، فإن الرهان كبير: فبدون استثمار حقيقي، قد تجد تونس نفسها تترك لدول أخرى مهمة رقمنة وتثمين تراثها العلمي والثقافي.

التعلّم بالممارسة: جوهر الإنسانيات الرقمية

لا تُدرّس الإنسانيات الرقمية بالطريقة التقليدية القائمة على المحاضرات فقط. فمبدؤها الأساسي هو التعلّم بالممارسة.

ففي هذا الإطار، لا يكتفي الطالب بمعرفة ما هي قاعدة البيانات، بل يقوم بإنشائها بنفسه. ولا يكتفي بالتعرف نظريًا على إدارة المراجع، بل يستخدم مباشرة برنامجًا مثل Zotero لتنظيم مصادره والاستشهاد بها. كما لا يقتصر الأمر على شرح الكتابة العلمية، بل يُطلب من الطلبة نشر مقالات قصيرة عبر الإنترنت، أحيانًا على منصات حقيقية مثل إيبوتاز أو ويكيبيديا.

ورغم أن هذا الأسلوب محفّز جدًا للطلبة، فإنه يتطلب موارد تقنية مهمة. وكما تشير دراسة تدريس الإنسانيات الرقمية في تونس: الشروط والممارسات والخيارات التي أعدّتها دلفين كافالو (مهندسة دراسات، UMR TELEMME، جامعة إيكس-مرسيليا) وعائدة الشبي (أستاذة مساعدة بالمعهد العالي للتوثيق، جامعة منوبة)، فإن العوائق عديدة، منها:

  • ضعف الاتصال بالإنترنت؛
  • قدم الحواسيب؛
  • صعوبة الوصول إلى البرمجيات المدفوعة.

وأمام هذه الصعوبات، يضطر الأساتذة إلى إظهار قدر كبير من الابتكار، من خلال الاعتماد على أدوات مجانية ومفتوحة المصدر، وتكييف طرق التدريس، وإنشاء فضاءات تعاونية على الإنترنت لتعويض نقص التجهيزات.

والمفارقة أن هذه القيود قد تتحول إلى نقطة قوة، لأنها تعوّد الطلبة على استخدام حلول خفيفة ومفتوحة ومستدامة، وتغرس فيهم إحدى القيم الأساسية للإنسانيات الرقمية: المشاركة والتعاون والبحث عن بدائل متاحة للجميع.

تحدّي اللغات

تمثل اللغات بدورها تحديًا مهمًا. ففي تونس، تُدرّس الدروس غالبًا باللغة الفرنسية، وأحيانًا بالعربية، في حين أن معظم الأدوات الرقمية متوفرة باللغة الإنجليزية. هذا التعدد اللغوي يمثل ثراءً، لكنه قد يشكل أيضًا عائقًا: كيف يمكن التعلم بفعالية عندما تختلف المصطلحات من لغة إلى أخرى؟

ولهذا اقترح مشروع Raqmyat حلاً مبتكرًا يتمثل في توفير معجم ثلاثي اللغات (الفرنسية، الإنجليزية، العربية الفصحى) يضم المفاهيم الأساسية. وبذلك لا يقتصر التعلم على الجوانب التقنية فحسب، بل يكتسب الطلبة أيضًا وعيًا بأهمية الترجمة وتكييف المعرفة مع السياقات المختلفة.

وتلعب الشراكات الدولية دورًا مهمًا في هذا المجال، إذ تتيح التبادلات مع الجامعات الأوروبية الاستفادة من خبرات وتجارب قائمة بالفعل. غير أن التحدي على المدى الطويل يكمن في تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية، من خلال تطوير بنية تحتية وأدوات محلية، حتى لا تبقى تونس معتمدة بالكامل على المنصات الأجنبية.

الخلاصة

لا تمثل الإنسانيات الرقمية مجرد مجال أكاديمي جديد، بل هي طريقة مختلفة للتفكير في المعرفة: أكثر تعاونًا، وأكثر انفتاحًا، وأكثر نقدًا. وفي تونس، ورغم محدودية الموارد، يبتكر العديد من الأساتذة طرقًا جديدة لتكوين الباحثين الشباب.

 وتشكل هذه المبادرات اللبنات الأولى لحركة يمكن أن تقرّب البحث التونسي من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. كما تذكّرنا هذه التجربة بحقيقة أساسية: تدريس الإنسانيات الرقمية لا يعني فقط نقل مهارات تقنية، بل أيضًا ترسيخ أخلاقيات المعرفة والتشارك العلمي.

 إيكوتوس

اطلع على المقال الكامل

“Enseigner les humanités numériques en Tunisie : conditions, pratiques et choix”, بقلم دلفين كافالو (مهندسة دراسات، UMR TELEMME، جامعة ايكس مرسيليا) وعائدة الشابي (أستاذة مساعدة، المعهد العالي للتوثيق، جامعة المنوبة)، منشور في مجلة Humanités numériques، العدد 9، سنة 2024

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *