عمّال الظل: من هم حقًا “البرباشة”؟

5 Min Lire

يجوبون شوارع تونس بحثًا عن البلاستيك أو المعادن أو الكرتون. يُطلق عليهم اسم البرباشة”. كلمة دارجة، لكنها تخفي وراءها واقعًا اجتماعيًا قاسيًا، غالبًا ما يتم تجاهله. وتسلّط دراسة متعددة التخصصات، نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على منصة “AL Forum”، الضوء على هؤلاء الفاعلين الأساسيين في مجال استرجاع النفايات، الذي يكون وجودهم ضروري رغم بقائهم في الظل.

في وقت تعلن فيه تونس سعيها إلى بناء اقتصاد مستدام ودائري، يظل فاعل أساسي في الظل: البرباشة. هؤلاء الجامعون والجامعات غير الرسميين للنفايات، المعروفون أيضًا بـ نبّاشي القمامة، ومعظمهم من الرجال وأحيانًا من النساء، يجوبون يوميًا الشوارع لجمع البلاستيك والمعادن والكرتون من الحاويات ومصبات النفايات، خاصة مصب برج شاكير. ورغم أن نشاطهم يُنظر إليه غالبًا على أنه هامشي، فإنه يشكل حلقة أساسية في سلسلة الرسكلة.

ولأول مرة، تخصص دراسة منشورة من قبل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على منصة “AL Forum” تحليلًا معمقًا ومتعدد التخصصات لهؤلاء الفاعلين. إذ تسلط الضوء على مساراتهم، وظروف عيشهم، ودورهم في إدارة النفايات… وكذلك الفراغ المؤسساتي الذي يحيط بهم. وفي وقت تتقدم فيه الانتقال البيئي، تذكّر هذه الدراسة بأن تحقيقه بعدالة يقتضي إدماج أولئك الذين يجعلونه ممكنًا بالفعل، رغم عملهم في الظل.

العمل في الشارع من أجل العيش

البرباشة هم أولئك الذين نصادفهم في الصباح الباكر أو في نهاية النهار، وهم يجرّون عربات مليئة بالنفايات القابلة للرسكلة. هذه الكلمة، المألوفة في شوارع تونس، تُشير إلى رجال، وأحيانًا نساء، يبحثون عن البلاستيك أو المعادن أو الكرتون في الحاويات أو مكبات النفايات.

الغالبية ليسوا شبابًا (53٪ أعمارهم بين 35 و49 سنة، و19٪ أكثر من 50 سنة)، يعيشون في وضعية هشاشة، ولم يتمكنوا من متابعة الدراسة لفترة طويلة. بلا عمل مستقر وبلا دعم، يتوجهون إلى هذا النشاط كوسيلة وحيدة لكسب بعض المال. ما يجمعونه يبيعونه لوسطاء أو لمصانع صغيرة للرسكلة. الدخل ضعيف، غير مضمون، ويعتمد على حجم ما يتم جمعه يوميًا.

يومهم صعب. ينام بعضهم في الشارع، وآخرون في مساكن غير صالحة للسكن. يعملون بدون قفازات، وبدون كمامات، وأحيانًا حافيي القدمين، وسط نفايات قد تكون خطرة. ومع ذلك، يستمرون في العمل، غالبًا في ظل تجاهل عام.

يقومون بالرسكلة، لكن لا أحد يعترف بهم

بدونهم، جزء كبير من البلاستيك أو الكرتون لن يتم فرزه أبدًا. ومع ذلك، لا أحد يعترف بهم رسميًا. الدولة لا تمنحهم أي وضع قانوني، ولا أي دعم، ولا أي حماية. لا يُحتسبون ضمن خطط إدارة النفايات. يعملون في الظل، خارج أي نظام رسمي.

والأسوأ من ذلك، غالبًا ما يُنظر إليهم بسوء. بعض السكان يطردونهم من أحياء معينة، والموظفون البلديون يوبخونهم، وبعض رجال الأمن يعاملونهم بعنف. يُتهمون بتلويث البيئة، رغم أنهم ينظفونها. يتم تجاهلهم، رغم أنهم يقدمون خدمة للمدينة بأكملها.

والأمر الأكثر ظلمًا، هو أن هذا الاقتصاد “الأخضر الذي يتحدث عنه الجميع – الرسكلة، وتقليل النفايات – موجود بالفعل بفضل جهودهم. ومع ذلك، ليس لهم مكان فيها، ولا حقوق.

ماذا لو تم إدماجهم أخيرًا؟

تقترح الدراسة حلولًا بسيطة وواقعية. من الممكن تحسين الوضع، لهم ولنا جميعًا.

من بين المقترحات:

  • منح البرباشة وضعًا رسميًا ليصبحوا قانونيين وليسوا خارج القانون؛
  • ضمان حقوقهم الاجتماعية: تغطية صحية، تقاعد، وحماية؛
  • إنشاء مساحات فرز نظيفة وآمنة بالتعاون مع البلديات؛
  • إطلاق حملات توعية لتغيير النظرة تجاههم؛
  • والأهم من ذلك، إشراكهم في السياسات العامة المتعلقة بالرسكلة.

يعمل البرباشة بلا حقوق، في ظروف صعبة، مقابل دخل ضئيل. ومع ذلك، يساهمون يوميًا في جعل مدينتنا أنظف. إن تجاهل دورهم يعني بناء بيئة غير عادلة، تستثني من يضمنون لها وجودها.

وقد تحوّل هذا البحث أيضًا إلى فيلم وثائقي من إنتاج المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. يقدّم الفيلم، من خلال شهادات مؤثرة وتحليل اجتماعي دقيق، يوميات هؤلاء العمال في الظل، المحرومين من أي حماية قانونية أو اجتماعية. كما يسلط الضوء على الهشاشة الاقتصادية، والمعاناة الجسدية والنفسية، والوصمة الاجتماعية التي يواجهها هؤلاء الفاعلون الأساسيون في قطاع مهمش في الوقت ذاته.

➡️إنتاج ملتزم يهدف إلى توعية الرأي العام والدفاع عن كرامة وحقوق أولئك الذين يعيشون من الرسكلة غير الرسمية.

➡️ الفيلم الوثائقي متاح على YouTube

FTDES- المنتدى التونسي للدراسات الاقتصادية و الاجتماعية

الاطلاع على الدراسة

 “Les Barbéchas : acteurs invisibles de la gestion des déches en Tunisie" - (متوفرة أيضًا، مجانًا، بنسخة ورقية في مقر المنتدى التونسي للدراسات الاقتصادية والاجتماعية).

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *