شراء المنتجات المحلية، خطوة صغيرة من أجل اقتصاد كبير

IACE
4 Min Lire

ماذا لو أصبح الاستهلاك فعلًا مدنياً؟ في ظل الأزمات العالمية، والتغيرات المناخية، والهشاشة الاقتصادية، أصبح لاختياراتنا الاستهلاكية تأثير أكبر مما نعتقد فخلف كل عملية شراء هناك وظائف، وتقاليد، وأثر بيئي، بالإضافة إلى كونها أداة حقيقية للتغيير.

لطالما كان استهلاك المنتجات القادمة من جميع أنحاء العالم يُنظر إليه كعلامة على التقدّم. تناول الفراولة في الشتاء، أو شراء قميص مصنوع في أقصى بقاع العالم، أو طلب منتج عبر الإنترنت يُسلم خلال 48 ساعة، كلها كانت جزءًا من حياتنا اليومية في عالم مُعولم.

لكن الأمور تتغير. فقد أظهرت الأزمات المتتالية — سواء كانت صحية أو مناخية أو اقتصادية — حدود هذا النموذج. فجهاز الاستهلاك العالمي، الذي يبدو قويًا، هو في الواقع هش، وغير مستدام، وغير عادل.

اليوم، يظهر وعي متزايد بأهمية الاستهلاك المحلي، أو على الأقل الوطني، فهو يدعم اقتصادنا، ويخلق فرص عمل، ويقلل من بصمتنا الكربونية… كما يمنح الأفعال الاستهلاكية معنى جديدًا.

لماذا يغير الاستهلاك المحلي كل شيء؟

لا يقتصر الاستهلاك المحلي على خيار فردي فحسب، بل هو فعل يحمل تأثيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية. اختيار منتج تونسي لا يقتصر على دعم الاقتصاد فقط، بل يعني أيضًا تثمين تراثنا، سواء كان مأكولات، أو لباسًا، أو حرفًا. كما يعكس ذلك هوية وطنية، ويحافظ على التقاليد، ويدعم المهارات المحلية. هذا الوعي المتزايد يغذي حركات مثل »اللوكافوريزم«،  (أسلوب عيش يقوم على استهلاك الأغذية المنتجة محليًا ) التي تشجع على استهلاك المنتجات ضمن نطاق قريب، يتراوح بين 100 و250 كيلومترًا حول مكان السكن.

غالبًا ما يقطع المنتج المستورد آلاف الكيلومترات جوًا أو بحراً أو براً، ما ينتج عنه تكلفة كربونية مرتفع  في تونس كما في غيرها بينما يساهم تفضيل المنتجات المحلية في خفض هذه الانبعاثات بشكل كبير.

التأثير المتسلسل على اقتصادنا المحلي

شراء المنتجات المحلية يطلق ديناميكية إيجابية: زيادة الطلب ← زيادة الإنتاج ← خلق المزيد من الوظائف ←زيادة الدخل ← تعزيز الاستهلاك. ويُعرف هذا التأثير باسم الأثر المضاعف، الذي يدعم الاقتصادات الإقليمية بشكل مستدام.

فعلاً، أظهرت دراسة كندية أن كل دولار يُنفق محليًا يولد ما يصل إلى 2.5 دولار من النشاط الاقتصادي في نفس المنطقة. وفي فرنسا، الأمر مشابه فكل يورو يُستثمر في اقتصاد محلي يُنتج بين 2 و2.5 يورو إضافية ضمن دائرة تمتد نحو 30 كيلومترًا.

في تونس، يشهد الاستهلاك نموًا مستمرًا منذ عدة سنوات. بين عامي 2015 و2021، ارتفعت النفقات الفردية المتوسطة من 3,871 إلى 5,468 دينارًا، لا سيما في مجالات الغذاء، والنسيج، والصحة، والأجهزة المنزلية.

ومع ذلك، فإن هذا الارتفاع يعود بالنفع المحدود على الاقتصاد المحلي، حيث تزداد الواردات، وتعتمد نسبة كبيرة من المنتجات المصنعة محليًا على مدخلات أجنبية. وبعبارة أخرى، حتى عند شراء المنتجات “المحلية”، يذهب جزء من أموالنا إلى الخارج.

نحو نموذج مستدام ومسؤول

الاستهلاك المحلي لا يعني الانغلاق على الذات، بل بناء اقتصاد قادر على الصمود، يخلق وظائف مستدامة ويحترم البيئة.

ولتحقيق ذلك، يجب التحرك على عدة مستويات:

  • تشجيع الشركات على استخدام المزيد من المواد الخام المحلية.
  • تطوير ودعم السلاسل القصيرة للتوريد.
  • توعية المستهلكين بتأثير مشترياتهم.
  • وضع تدابير تحفيزية واقتصادية وتنظيمية.

تغيير عاداتنا الاستهلاكية يعني اختيار مجتمع أكثر عدلاً وتضامنًا، حيث يستعيد كل شراء قيمته ويُسهم في ديناميكية جماعية إيجابية.

IACE  – المعهد العربي لرؤساء المؤسسات

مذكرة IACE

"تعزيز الإنتاج الوطني: هدم أولًا مفهوم المستهلك العالمي"

Partager cet article