سعر الصرف: مقياس صامت للاقتصاد التونسي

5 Min Lire

لا يقتصر سعر الصرف على كونه مسألة نقدية بسيطة. فعندما ينحرف بشكل مستمر عن مستواه التوازني، فإنه يعكس اختلالات أعمق في الاقتصاد. إن تحليل تطور سعر الصرف الفعلي الحقيقي في تونس على مدى ثلاثة عقود (1990–2020) يسمح بفهم هذه الفجوات وما تكشفه عن الاقتصاد الحقيقي.

وغالبًا ما يُنظر إلى سعر الصرف باعتباره معطى تقنيًا ومجردًا، لكنه في الواقع يؤثر بشكل مباشر على أسعار الواردات، وعلى قدرة المؤسسات على التصدير، وعلى التوازن الاقتصادي العام للبلاد. ولتجاوز التقلبات الظاهرة في الأسواق، يعتمد الاقتصاديون على مفهوم سعر الصرف الفعلي الحقيقي، وهو مؤشر يقارن العملة الوطنية بعملات أهم الشركاء التجاريين مع احتساب فروقات الأسعار، ما يسمح بقياس القدرة التنافسية الحقيقية للاقتصاد.

وعندما يظهر انحراف دائم بين هذا السعر الفعلي ومستواه التوازني، نتحدث عن اختلال. وهذه الاختلالات تعكس ضغوطًا هيكلية عميقة، وقد تزيد من هشاشة الاقتصاد.

هذا التحليل هو محور الورقة البحثية بعنوان:

“The misalignment of real effective exchange rate: Evidence from Tunisia”
(الورقة البحثية عدد HEIDWP04-2021)، الصادرة عن المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية (Graduate Institute of International and Development Studies)، قسم الاقتصاد الدولي.

وقد أنجز هذه الدراسة الاقتصادي أحمد الدربالي، الخبير في البنك المركزي التونسي، حيث قدّم تحليلًا معمقًا لاختلال سعر الصرف الفعلي الحقيقي في تونس خلال الفترة 1990–2020، وربطه بأساسيات الاقتصاد الكلي.

سعر الصرف كمرآة للتنافسية الاقتصادية

يعكس سعر الصرف الفعلي الحقيقي الوضع التنافسي لأي بلد. فحين يكون قريبًا من مستواه التوازني، فهذا يدل على اقتصاد منسجم مع أساسياته. أما الفجوات المستمرة، فهي إشارة تحذير.

فارتفاع قيمة العملة يجعل الصادرات أكثر كلفة ويُضعف النمو. في المقابل، قد يؤدي انخفاض قيمتها إلى دعم التنافسية، لكنه يخلق ضغوطًا تضخمية ويزيد من عبء الدين الخارجي.

ويكشف تطور سعر الصرف في تونس على مدى ثلاثين عامًا عن تذبذب بين فترات من انخفاض القيمة وارتفاعها، في علاقة مباشرة بالتحولات الهيكلية للاقتصاد وبالصدمات الداخلية والخارجية التي أثّرَت عليه.

الإنتاجية والتجارة: محركات التوازن

لتقدير مستوى التوازن في سعر الصرف، تربط الدراسة بين العملة وعدة أساسيات اقتصادية.

فالإنتاجية الوطنية، خصوصًا في القطاعات المعرضة للمنافسة الدولية، تميل إلى تعزيز قيمة العملة، باعتبارها انعكاسًا لأداء اقتصادي أفضل. في المقابل، تؤثر إنتاجية الشركاء التجاريين بشكل عكسي: فإذا كانت تنمو بوتيرة أسرع، تتعرض العملة الوطنية لضغط نحو الانخفاض بهدف الحفاظ على القدرة التنافسية.

أما الانفتاح التجاري، المقاس بوزن المبادلات في الاقتصاد، فيزيد من التعرض للصدمات الخارجية وقد يؤدي إلى تراجع القيمة الحقيقية لسعر الصرف. وأخيرًا، فإن معدلات التبادل التجاري (أي العلاقة بين أسعار الصادرات والواردات) تؤثر مباشرة في القيمة الحقيقية للعملة.

ويُظهر عمل أحمد الدربالي أن هذه العوامل تفسّر بشكل مهم تطور سعر الصرف في تونس على المدى الطويل، مما يؤكد أن العملة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الحقيقي، ولا يمكن فهمها بمعزل عن ديناميكيات الإنتاجية والتجارة والاختلالات الخارجية.

اختلالات مستمرة بعد الصدمات

يُبرز التحليل وجود “اختلالات” طويلة الأمد في التوازن. فقبل نهاية العقد الأول من الألفية، كانت العملة التونسية تميل إلى الانخفاض في قيمتها، مما دعم القدرة التنافسية الخارجية. ثم تغير الوضع لاحقًا: إذ أدت الأزمة المالية العالمية، تلتها الصدمات الاقتصادية اللاحقة، إلى إضعاف الأسس الاقتصادية. وارتفعت العجوزات، وتباطأ النمو، وشهد سعر الصرف فترات من الارتفاع في قيمته الحقيقية، رغم بعض التعديلات الاسمية.

ولا تعكس هذه الاختلالات مشكلة في سعر الصرف بحد ذاته، بل تراكمًا لهشاشات اقتصادية أعمق. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى وجود آليات تصحيح تدريجية: فبعد كل صدمة، يميل سعر الصرف إلى العودة نحو مستوى التوازن، لكن هذه العودة تبقى بطيئة وتعتمد على تطور الأسس الاقتصادية.

وفي النهاية، لا يمكن لسعر الصرف وحده أن يُصلح الاختلالات الاقتصادية.

يمكنه امتصاص بعض الصدمات، لكنه لا يعوّض لا مكاسب الإنتاجية، ولا تنويع الاقتصاد، ولا تماسك السياسات العمومية. إن “الاختلالات” المسجلة على مدى ثلاثين عامًا تعكس في جوهرها اختلالات هيكلية عميقة. بالنسبة للمواطنين كما لصنّاع القرار، يجب أن يُفهم سعر الصرف باعتباره إشارة كاشفة عن الوضع الصحي العام للاقتصاد.

إيكوتوس

للاطلاع على ورقة العمل

"ورقة العمل عدد HEIDWP04-2021 – اختلال سعر الصرف الفعلي الحقيقي: أدلة من تونس"، أحمد الدربالي - البنك المركزي التونسي.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *