تونس: رهان التنمية المستدامة بين الحاجة الاجتماعية والأمل الأخضر

في مواجهة البطالة، والفوارق الإقليمية، وآثار تغير المناخ، تسعى تونس إلى تحقيق توازن جديد: التقدم دون استنزاف الموارد، والنمو دون تدمير البيئة. فمنذ أكثر من أربعين سنة، يحاول البلد تأطير تنميته في إطار طويل الأمد. طريق مليء بالتحديات، ولكنه أيضًا مشهود بالنجاحات التي ترسم مسار تونس أكثر استدامة.

الأرقام تتحدث عن نفسها: أكثر من 15% نسبة البطالة، موارد طبيعية هشة، دين خارجي متزايد، ومناخ يزداد قسوة. وكما تشير دراسة “تونس والتنمية المستدامة”، المنشورة في مجلة الفضاء الجغرافي والمجتمع المغربي (EGSM)، العدد 88، أوت 2024، فإن هذه الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا وتتطلب استجابة شاملة ومنسقة. وقد أعدّت هذه الدراسة محمد الدريدي، باحث دكتوراه في علوم التربية والتدريس والمدير الجهوي للتعليم بالإدارة الجهوية للتربية بزغوان.

في هذا السياق، لم تعد مسألة التنمية المستدامة ترفًا، بل ضرورة. فهي تمس كل شيء: اقتصادنا، وبيئتنا، وكذلك نموذجنا الاجتماعي.

عندما تصبح الاستدامة قضية وطنية

بدأت مسيرة تونس في التنمية المستدامة منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول المصطلح إلى شعار عالمي. ففي عام 1974، شكّل إنشاء المكتب الوطني للصرف الصحي (ONAS) أول خطوة، تلاه إنشاء الوكالة الوطنية لحماية البيئة (ANPE) في 1989، ثم وزارة البيئة في 1991.

وتبوأت تونس مكانة رائدة في المنطقة: فقد نشرت منذ عام 1993 تقريرًا سنويًا عن حالة البيئة، وأنشأت اللجنة الوطنية للتنمية المستدامة (CNDD)، وهي هيئة استشارية مكلفة بدمج الاستدامة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتعكس هذه الإنجازات المؤسسية، التي تم تحليلها في دراسة “تونس والتنمية المستدامة (EGSM، العدد 88، أوت 2024)، إرادة سياسية مبكرة للتوفيق بين النمو والحفاظ على الموارد.

في سنة 1995، اعتمدت تونس جدول أعمالها الوطني 21، المستوحى من مؤتمر ريو. وقد شكل هذا الجدول خارطة طريق وطنية للتوفيق بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة. ومنذ ذلك الحين، كان رئيس الجمهورية يؤكد: “النمو الذي لا يحترم البيئة غير فعال وزائل”.

تعكس هذه العبارة كل الطموح التونسي: جعل التنمية المستدامة ليست مجرد خطاب، بل خيارًا سياسيًا ومجتمعيًا.

تحديات هائلة لا تزال قائمة للتوفيق بين التقدم والعدالة

لكن الرغبة في الاستدامة وحدها لا تكفي. على الأرض، تتزايد التحديات: استهلاك الطاقة يتصاعد، وموارد المياه تتناقص، والفوارق الاجتماعية تتسع. وفي تحليله، يوضح محمد دريدي أن مسيرة الاستدامة في تونس ما زالت محدودة بسبب نماذج الإنتاج والاستهلاك غير الملائمة للقيود البيئية الحالية ” (تونس والتنمية المستدامة، EGSM، العدد 8).

يبقى أحد التحديات المركزية هو العدالة الإقليمية. قبل الثورة سنة 2011، كانت تونس تحقق نموًا سنويًا يتراوح بين 4 و5%، لكنه كان مركّزًا على المناطق الساحلية. أما الداخل، فقد تُرك على الهامش، وشهدت البطالة والفقر ارتفاعًا حادًا. ففي سنة 2011، كان نحو واحد من كل أربعة تونسيين يعيش تحت خط الفقر.

وقد غذّى هذا الاختلال غضبًا اجتماعيًا، وهو في جوهره أيضًا أزمة استدامة: فعندما تستفيد النمو من فئة قليلة فقط، لا يمكن أن يكون مستدامًا للجميع.

تضاف إلى هذه الفجوات الاجتماعية الضغوط البيئية. فالمياه الجوفية تجف، وتتعرض الأراضي الزراعية للتآكل، وتحترق الغابات، وتتراجع المناطق الساحلية تحت تأثير السياحة الجماعية. وفي مواجهة هذه التهديدات، تؤكد الدراسة المنشورة في مجلة الفضاء الجغرافي والمجتمع المغربي على ضرورة إعادة التفكير في السياسات العامة على أساس الاقتصاد في الاستهلاك، والعدالة الاجتماعية، والحكامة الإقليمية.

نحو تونس مستدامة: الأدوات، الاستراتيجيات، ومؤشرات المستقبل

لمواجهة هذه التحديات، جهّزت تونس نفسها بمجموعة من المؤسسات والاستراتيجيات. يلعب المرصد التونسي للبيئة والتنمية المستدامة (OTEDD)، الذي أُنشئ سنة 1995، دورًا رئيسيًا في الرصد والتقييم.

وتُكمّل مؤسسات أخرى هذا الإطار:

  • الوكالة الوطنية لحماية البيئة (ANPE) لمكافحة التلوث،
  • الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات (ANGED) لإدارة النفايات،
  • الوكالة الوطنية لحماية السواحل (APAL) لحماية الشريط الساحلي،
  • والمركز الدولي للنقل والدراسات التكنولوجية (CITET) لتعزيز التكنولوجيا الخضراء.

اليوم، تعتمد تونس على مؤشرات دقيقة لقياس تقدمها: معدل الفقر، بطالة الحاصلين على الشهادات، الغطاء النباتي، نسبة الطاقات المتجددة، ودمج المدارس المستدامة. وكما يذكر محمد الدريدي في دراسته “تونس والتنمية المستدامة” (EGSM، العدد 88، أوت 2024)، ما لا يُقاس لا يمكن تصحيحه ولا تغييره.

مسار التنمية المستدامة في تونس بعيد عن أن يكون خطيًا. فهو يتقدم وفق وتيرة الأزمات، والإصلاحات، والإرادات. لكن وراء الصعوبات الاقتصادية، والجفاف، وعدم المساواة، تظل هناك قناعة راسخة: فالتنمية المستدامة ليست شعارًا، بل مشروعًا جماعيًا. مشروع يجب أن يُشترك فيه الجميع، ويفهم، ويُعلّم، لكي يصبح كل مواطن، وكل مدرس، وكل شاب فاعلًا فيه.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة

“La Tunisie et le développement durable”, المنشورة في مجلة الفضاء الجغرافي والمجتمع المغربي (EGSM)، العدد 88، أوت 2024، محمد الدريدي، باحث دكتوراه في علوم التربية والتدريس والمدير الجهوي للتعليم بالإدارة الجهوية للتربية بزغوان.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *