تونس: الرقمنة، محرك نمو لم يتم إستغلاله بعد بشكل متساوٍ

5 Min Lire

تفرض الرقمنة نفسها تدريجيًا كركيزة أساسية للاقتصاد التونسي. بين قطاعات رائدة وأخرى متأخرة، تظهر كل من فرصها وتحدياتها. فالتكاليف الأولية المرتفعة، والمنافع المؤجلة، والحاجة إلى الكفاءات والبنى التحتية، تجعل تونس أمام مفترق استراتيجي.

في تونس، لم تعد الرقمنة مجرد مسألة هواتف أو حواسيب. فقد اكتسبت تكنولوجيا المعلومات والاتصال (ICT) حضورًا متزايدًا في مختلف أرجاء الاقتصاد. وإن كانت تطبيقاتها مكلفة وغير موزعة بالتساوي بين القطاعات، فإن أهميتها الاستراتيجية واضحة. فهي تغيّر أساليب الإنتاج والإدارة والتنظيم، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو.

اليوم، تسهم الرقمنة مباشرة بنسبة 7.5% من الناتج الداخلي الخام، وتوظف نحو 86 ألف شخص. كما تشارك أكثر من 2000 شركة خاصة وعدة مراكز خدمات دولية، ما يدل على ديناميكية واضحة. لكن القيمة المضافة للرقمنة تتجاوز وزنها المباشر في الاقتصاد: إذ تتكامل مع القطاعات المالية، والصناعية، والسياحية، والإدارة العمومية، لتصبح رافعة للتحول الشامل. ومع ذلك، يبقى هذا الانتشار غير متساوٍ، مما يحدّ من تأثيره الكلي على النمو.

انتشار غير متساوٍ بين القطاعات

يكشف المؤشر القطاعي لانتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن تفاوتات واضحة. ففي معظم الفروع، تظل نسب التكامل أقل من 2%. بينما يظهر القطاعان المالي والاتصالات نسبًا أعلى من 30%، مما يؤكد دورهما الريادي في الانتقال الرقمي.

أما الإدارة العمومية، فتتقدم بفضل برامج الحكومة الإلكترونية والخدمات على الإنترنت، بينما تتخلف قطاعات استراتيجية أخرى مثل الزراعة، والصناعة التحويلية، والسياحة.

هذه التفاوتات ليست أمورًا عادية. فعندما تستفيد بعض الفروع فقط من التقدم الرقمي، يزداد خطر اتساع الفجوات في الإنتاجية والقدرة التنافسية بين القطاعات. وتُظهر التجارب الدولية أنّ الانتشار الواسع والمتوازن لتكنولوجيا المعلومات والاتصال أمر ضروري لتحقيق تأثير اقتصادي كلي مستدام. وبدون جهود لتكامل أكثر توازنًا، قد تظل الرقمنة جزئية، محصورة في بعض المجالات فقط، بدلاً من أن تدفع الاقتصاد التونسي ككل نحو الأعلى.

تكاليف الحاضر، منافع المستقبل

يتطلب الاستثمار في الرقمنة موارد ضخمة: البنى التحتية للشبكات، الأنظمة المعلوماتية، البرمجيات، المعدات، والتكوين. وتشكل هذه النفقات عبئًا على النمو على المدى القصير وتمثل تحديًا خاصًا لدولة نامية. وبين سنتي 1997 و2015، أكدت البيانات التونسية هذا الواقع: في البداية، قد يؤثر انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصال على الميزانيات ويبطئ بعض المؤشرات.

لكن هذا القيد مؤقت. فعند استرداد الاستثمارات وتعميم الاستخدامات، تصبح الفوائد واضحة: زيادة الإنتاجية، خفض التكاليف، تحسين كفاءة العمل، وفتح فرص نمو جديدة. هذا التأخر الزمني هو ما يسميه الاقتصاديون “تأثير الوقت”: فقد تبدو الرقمنة في البداية عبئًا، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى محرك مستدام. والشركات التي تقرر المضي قدمًا تلاحظ تحسنًا في قدرتها التنافسية واندماجًا أفضل في سلاسل القيمة العالمية.

تكوين الكفاءات وخلق بيئة مواتية

إذا كانت البنى التحتية والمعدات ضرورية، فهي وحدها لا تكفي. فالعنصر الفعلي المحرك للانتقال الرقمي هو رأس المال البشري. فبدون كفاءات ملائمة، تظل التقنيات مستغلة بشكل ناقص. لذلك يجب على تونس الاستثمار بشكل مكثف في التكوين: إدماج الرقمنة في المناهج المدرسية والجامعية، تطوير مسارات تخصصية، وتعزيز التكوين المستمر لمواكبة إعادة توجيه العاملين.

يمكن عندئذ أن تتحول الرقمنة إلى أداة تعلم دائمة، تعزز الإنتاجية وقدرة التكيّف لدى الموظفين. وفي الوقت نفسه، يُعدّ وجود بيئة مؤسساتية وتنظيمية قوية أمرًا لا غنى عنه. فالقوانين الواضحة، والحوافز المستهدفة لتشجيع الاستثمار الخاص، وبرامج الدعم للقطاعات المتأخرة، تساهم في تقليص الفجوات وتضخيم الأثر الإيجابي.

تلعب الشراكة بين الفاعلين العموميين والخواص دورًا محوريًا في هذا المجال. فهي تسهّل نشر البنى التحتية، وتخفض التكاليف من خلال المشاركة، وتشجع على تبادل أفضل الممارسات. ويجب على الدولة أن تعمل كمنظم وميسّر، لضمان استفادة جميع الشركات، بما في ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتلك الواقعة في المناطق النائية، من فوائد التحول الرقمي.

فرصة استراتيجية لتونس

تمثل الرقمنة في الوقت ذاته تحديًا وفرصة. تحدٍ لأنها تتطلب رؤية واضحة، وموارد كبيرة، وتنسيقًا بين الفاعلين. وفرصة لأنها توفر إمكانية تحديث الاقتصاد بعمق، وتحفيز الابتكار، وتعزيز القدرة التنافسية الدولية للبلاد.

إذا نجحت تونس في تقليص الفجوات القطاعية، والاعتماد على رأس مالها البشري، وتحديث بنيتها التحتية، يمكن للرقمنة أن تصبح محركًا للنمو الشامل والمستدام. فهي ليست مجرد تطور تكنولوجي، بل فرصة استراتيجية لوضع البلاد ضمن الاقتصاد العالمي الجديد وتلبية توقعات أجيالها الشابة.

رحيم قلّال – جامعة قرطاج
عبير الحداجي – جامعة تونس المنار -c LR-LIEI
  زياد الفتيتي – جامعة تونس، ISG، مختبر البحوث LR-GEF2A-تونس 

الاطلاع على المقال الأكاديمي

ICT diffusion and economic growth: Evidence from the sectorial analysis of a periphery country”- Technological Forecasting & Social change-162-(2021) 120403

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *