تونس: التحديث الاقتصادي يوسع الفجوات في الأجور

5 Min Lire

خلال ثلاثة عقود من الانفتاح التجاري، اندمجت تونس تدريجيًا في الأسواق العالمية، وعملت على تحديث العديد من القطاعات الأساسية في اقتصادها. ومع ذلك، لم تعمّ فوائد هذا التطور على الجميع: فقد توسعت الفجوات في الأجور بين العمال المؤهلين وغير المؤهلين، مما يكشف عن انقسام عميق في سوق العمل.

منذ التسعينيات، كثّفت تونس الإصلاحات الانفتاحية لتحفيز اقتصادها: الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية، التحرير التدريجي للأسواق، وتعزيز الاندماج في التجارة العالمية. والهدف واضح: تنشيط النشاط الاقتصادي، جذب الاستثمارات، وتحسين آفاق القوى العاملة.

لكن تحليل البيانات المتاحة يُظهر تغيرًا رئيسيًا في هيكل سوق العمل. ففوائد الانفتاح لا تتوزع بشكل متساوٍ: بعض القطاعات تشهد نموًا وزيادة في الأجور، بينما تبقى أخرى راكدة، خصوصًا تلك المعتمدة على العمالة غير المؤهلة. والنتيجة واضحة: اتساع فجوات الأجور.

الانفتاح يحوّل الطلب على المهارات

أدى توسع التبادل التجاري إلى توجيه الاقتصاد التونسي نحو قطاع الخدمات، الذي يمثل اليوم قرابة 59٪ من الناتج المحلي الإجمالي و62٪ من العمالة. وتعتمد قطاعات المصارف، التأمين، الاتصالات، النقل، والإدارة بشكل كبير على القوى العاملة المؤهلة، غالبًا الأكثرية، وتظهر فيها أعلى مستويات الأجور.

تُظهر الزيادات في الأجور مستويات ملحوظة: حوالي 9٪ في الأنشطة الاستخراجية وحوالي 7٪ في قطاعات البنوك والنقل. تتطلب هذه الخدمات مهارات متزايدة في المجالات التقنية والإدارية والتكنولوجية والتواصلية، مما يزيد من قيمة العمال المؤهلين.

يتبع القطاع الصناعي مسارًا مختلفًا. فصناعات مثل النسيج والملابس والجلود تعتمد إلى حد كبير على اليد العاملة غير المؤهلة، التي تصل نسبتها في بعض الفروع إلى حوالي 90٪، مع زيادات في الأجور أبطأ بكثير، غالبًا حول 3٪.

أما قطاعات البنوك والتأمين والاتصالات والنقل والإدارة فتعتمد بشكل كبير على العمال المؤهلين، وتُظهر مستويات الأجور الأعلى.

تخلق هذه البنية تباينًا دائمًا: من جانب، قطاعات حديثة ومؤهلة؛ ومن جانب آخر، أنشطة تقليدية غير مؤهلة وأقل أجرًا.

دور رأس المال والتكنولوجيا في توسيع الفجوات

تُعد كثافة رأس المال عاملًا رئيسيًا في تفاوت الأجور. فالقطاعات التي تستثمر أكثر في المعدات والتقنيات تزيد من طلبها على العمال المؤهلين القادرين على استخدامها. كلما ازداد رأس المال، زادت سرعة ارتفاع أجور العمال المؤهلين.

تؤكد البيانات هذه العلاقة: فالقطاعات الرأسمالية تُظهر فجوات أجور أكبر بكثير مقارنة بالقطاعات التقليدية. كما يعزز إدخال التقنيات المستوردة هذا الظاهرة، إذ يتطلب مهارات محددة ويزيد من قيمة العمال المؤهلين.

على العكس من ذلك، تستفيد القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية المنخفضة أقل من هذه المكاسب الإنتاجية: تبقى الأجور مستقرة وتتغير بنية التوظيف قليلًا. لذا، يعمل الانفتاح العالمي كمسرع لعدم المساواة عندما يصاحبه تحديث تكنولوجي غير متكافئ بين القطاعات.

الحوكمة والبطالة والنمو: عوامل مُكبّرة للفجوات

تؤثر جودة الحوكمة على توزيع المكاسب المرتبطة بالانفتاح الاقتصادي. يُظهر مؤشر الحرية الاقتصادية المستخدم في التحليل أن مستويات الحوكمة الضعيفة تميل إلى توسيع الفجوات في الأجور. فبيئة مؤسسية هشة تحد من فاعلية السياسات العامة وتقلل من قدرة سوق العمل على امتصاص الصدمات.

تُعد البطالة عاملًا بنيويًا آخر. فالخريجون يشهدون معدل بطالة يقارب 30٪، أي نحو ضعف المتوسط الوطني، مما يحد من قدرة السوق على ضبط الأجور الابتدائية للعمال المؤهلين.

كما يظل النمو الاقتصادي قليل الإسهام في خلق فرص عمل ذات جودة: فالقطاعات التي تقدم أفضل الأجور لا تمتلك القدرة الكافية لاستيعاب جميع العمال المؤهلين، في حين أن القطاعات كثيفة اليد العاملة تقدم أجورًا منخفضة.

تتضافر هذه الآليات المؤسسية والاقتصادية مع تأثيرات رأس المال والانفتاح لتزيد تدريجيًا من الفجوات الداخلية.

لقد أدّى الانفتاح التجاري إلى تحويل الاقتصاد التونسي من خلال تحديث بعض القطاعات، وجذب رؤوس الأموال، وخلق طلب متزايد على العمال المؤهلين.

لكن هذا التطور يصاحبه اتساع الفجوات في الأجور: فالقطاعات الحديثة والرأسمالية تتقدّم بسرعة، في حين تظل الأنشطة التقليدية مركزة على اليد العاملة غير المؤهلة، مع أجور أقل.

حمزة بن يونس- خبير اقتصادي – كلية العلوم الاقتصادية و التصرف-بتونس – جامعة تونس المنار –
فيصل بن عامر خبير اقتصادي – كلية العلوم الاقتصادية و التصرف-بتونس – جامعة تونس المنار

الاطلاع على الدراسة

“Trade openness and wage inequality: Case of Tunisia”.

المجلة الدولية للرياضيات التطبيقية، الحوسبة وهندسة النظم، المجلد 5 - جويلية 2023

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *