تعليم أكثر، لكن بشكل أفضل: رهان محفوف بالمخاطر للجامعات تحت الضغط

6 Min Lire

هل يمكن استقبال عدد أكبر من الطلاب في الجامعات دون المساس بجودة التعليم؟ في ظل ميزانيات محدودة، يتعين على العديد من الدول الموازنة بين توسيع التعليم العالي والحفاظ على معايير أكاديمية مرتفعة. التحليل الذي أُجري في 16 دولة يساعد على تسليط الضوء على هذا التحدي، من خلال مقارنة كفاءتها وقدرتها على الحفاظ على الجودة.

على مدى العقدين الماضيين، شهد التعليم العالي تحولات كبيرة. إذ يحصل عدد متزايد من الشباب على فرصة الالتحاق بالجامعة، مدفوعين بالأمل في وظيفة مؤهلة وتحسين الوضع الاقتصادي. كما أن هذا التوسع يلبي أيضًا احتياجات سوق العمل، الذي يتطلب مهارات متقدمة بشكل متزايد.

لكن هذا الانفتاح الواسع يطرح سؤالًا صعبًا: كيف يمكن ضمان جودة التعليم في ظل الموارد المحدودة؟

في العديد من الدول، لم يصاحب زيادة عدد الطلاب ارتفاع مماثل في الميزانيات. والنتيجة: تضطر الجامعات إلى تحقيق المزيد بأقل الإمكانيات، مما يخلق خطرًا حقيقيًا بتدهور جودة التكوين نتيجة نقص الموارد أو ضعف القدرة على الإشراف الأكاديمي.

لفهم هذا الظاهرة بشكل أفضل، قارنت الدراسة 16 دولة خلال الفترة 2001-2007، بما فيها تونس والمغرب. الهدف: قياس كفاءة الأنظمة (قدرتها على استغلال الموارد المتاحة بشكل جيد) وجودة التعليم المقدم. وقد استخدمت الدراسة طريقة تحليل النطاق البياني للبيانات (Data Envelopment Analysis – DEA)، التي تسمح بتقييم الأداء دون فرض نموذج موحد على جميع الدول.

التكوين أكثر، لكن بأي ثمن؟

كل شيء يبدأ بسؤال بسيط: ما مدى كفاءة أنظمة التعليم العالي؟ بمعنى آخر، كيف تستخدم الدول مواردها العامة لتكوين الطلاب وإنتاج البحث العلمي؟

للإجابة على هذا السؤال، تم تحليل ثلاث مؤشرات:

  • النفقات العامة لكل طالب،
  • عدد الخريجين المتكونين،
  • حجم المنشورات العلمية المنتجة.

تكشف النتائج عن تفاوتات كبيرة بين الدول. فدول مثل اليابان، المملكة المتحدة، وإسبانيا تحقق أقصى درجات الكفاءة: تستخدم مواردها بشكل جيد وتحقق نتائج جيدة. بينما دول أخرى، مثل المغرب وتونس، تحرز تقدمًا تدريجيًا لكنها تبدأ من مستوى أقل.

في تونس، على سبيل المثال، ارتفعت الكفاءة من 25٪ إلى نحو 36٪ بين عامي 2001 و2007. وهو تقدم مشجع، لكنه لا يزال أقل من أداء بعض الدول الأخرى في العينة.

فجوات كاشفة بين الدول

الكفاءة وحدها لا تكفي. يجب أيضًا أن تكون جودة التكوين عالية. لفهم هذا الجانب بشكل أفضل، تم ابتكار مؤشر مركب يعتمد على أربعة معايير:

  • المدة المتوسطة للدراسات العليا،
  • نسبة الخريجين بين المسجلين،
  • نسبة الإشراف الأكاديمي (عدد الأساتذة لكل طالب)،
  • الجاذبية الدولية (نسبة الطلاب الأجانب).

تتضح بعض الدول بأنها متميزة: فنلندا، المملكة المتحدة، اليابان، والسويد تحقق درجات قريبة أو مساوية للـ1، وهو الحد الأقصى الممكن. أما على الجانب الآخر، المغرب وتونس تظهران أدنى المستويات ضمن المجموعة المدروسة.

كيف نفسر هذه الفجوات؟ هناك عدة عوامل:

  • نقص الإشراف الأكاديمي: في تونس والمغرب، يوجد في المتوسط 5 أساتذة لكل 100 طالب، مقابل 10 إلى 11 في الدول الأعلى تصنيفًا.
  • ضعف الجاذبية الدولية: أقل من 1٪ من الطلاب من الخارج، مقابل أكثر من 10٪ في المملكة المتحدة.
  • نسب تخرج منخفضة: في عام 2007، لم يحصل سوى 18٪ من الطلاب التونسيين على شهادتهم، مقابل أكثر من 30٪ في أيرلندا.

معضلة بين الجودة والكفاءة؟

تشير التحليلات التي أُجريت على مدى سبع سنوات إلى نقطة أساسية: تحسين كل من الكفاءة والجودة في الوقت نفسه ليس بالأمر السهل. فليست كل الدول قادرة على التقدم على الجانبين في الوقت ذاته.

تظهر ثلاثة أنماط:

  1. المتوازنون (فنلندا، السويد، المملكة المتحدة، اليابان): ينجحون في الجمع بين الأداء الاقتصادي والجودة الأكاديمية.
  2. من يركزون على الجودة على حساب الكفاءة (سلوفاكيا، المجر): النتائج جيدة، لكن التكاليف تبقى مرتفعة.
  3. من يحققون كفاءة أعلى لكن يظل مستوى الجودة منخفضًا (تونس، المغرب، إيطاليا، اليونان).

يبرز هذا الملاحظ توترًا حقيقيًا: التوسع الكبير في التعليم العالي قد يضر بجودته، خصوصًا إذا تم توسيع الولوج دون اختيار أو دعم أكاديمي مناسب. وهنا تصبح مسألة الحوكمة مركزية.

ما يمكن استخلاصه

تُظهر الدراسة أن ديمقراطية التعليم العالي، إذا لم تصاحبها سياسة واضحة لضمان الجودة، يمكن أن تضعف الجامعة. فتح الولوج للجامعات يعد خطوة مهمة، لكنه يتطلب:

  • سياسات قبول مدروسة (اختبارات، حصص، معايير الجدارة) …،
  • تعزيز الإشراف الأكاديمي (زيادة عدد الأساتذة لكل طالب)،
  • واستثمارات موجهة نحو التخصصات التي تهيئ فعليًا لسوق العمل أو البحث العلمي.

بمعنى آخر، لكي تقوم الجامعة بتكوين عدد أكبر من الطلاب، يجب أن تُكوّنهم أيضًا بشكل أفضل. هذا ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب اتخاذ خيارات واضحة في السياسة العامة، تعتمد على بيانات موثوقة.

ما الذي تعنيه هذه النتائج بالنسبة للسياسات العمومية

البيانات واضحة: ديمقراطية التعليم العالي، إذا لم تصاحبها استراتيجية جودة، يمكن أن تضعف الجامعة. فتح الولوج خطوة مهمة، لكنه يتطلب أيضًا:

  • سياسات قبول مدروسة (اختبارات، حصص، معايير الجدارة) …،
  • تعزيز الإشراف التربوي،
  • استثمارات موجهة نحو التخصصات التي تؤدي فعليًا إلى العمل أو البحث العلمي.

بعبارة أخرى، تكوين المزيد من الطلاب ممكن، نعم، ولكن بشرط تكوينهم بشكل أفضل. هذا ممكن، لكنه يستلزم خيارات سياسية واضحة، مدعومة ببيانات موثوقة، ومشروع مستقبلي حقيقي للتعليم العالي.

 نادية الزرلي بن حميدة – أستاذة بالمدرسة العلياالاقتصاديةوالتجاريةبتونس

الاطلاع على الدراسة

Efficiency and Quality in Higher Education-A Dynamic Analysis”- Research in Applied Economics- ISSN 1948-5433
2013, Vol. 5, No. 4. 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *