مربى، كسكسي تقليدي، زيوت، منتجات غذائية محوّلة أو مصنوعات حرفية محلية… تنتج النساء الريفيات في تونس مجموعة واسعة من المنتجات التي تعكس ثراء المناطق وتنوع مهاراتها. لكن تحويل هذه الخبرات إلى مداخيل مستدامة لا يزال يمثل تحديا. وتطرح مذكرة تفكير مخصصة لمجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية (GDAP) جملة من الحلول العملية لتحسين تسويق منتجاتهن، وتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية، وخلق قيمة أكبر في المناطق الريفية.
في عدد من المناطق التونسية، تضطلع مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية (GDAP) بدور متزايد في تثمين المنتجات المحلية. وتتيح هذه الهياكل للنساء الريفيات تحويل منتجات مستمدة من موارد مناطقهن وتسويقها، إلى جانب تطوير أنشطة مدرة للدخل.
لكن الإنتاج وحده لا يكفي. فحتى تضمن هذه المجموعات استمرارية أنشطتها، يتعين عليها أيضا أن تتمكن من تسويق منتجاتها في ظروف مناسبة، والوصول إلى عدد أكبر من المستهلكين، وفتح قنوات نحو أسواق جديدة.
وهذا تحديدا ما تتناوله مذكرة التفكير المعنونة “تسويق منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية: العمل من أجل تحسين تسويق منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية“، التي أُعدت في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026).
وتأتي هذه المذكرة ثمرة تعاون بين الجمعية من أجل حماية البيئة والتنمية المستدامة ببنزرت (APEDDUB)، والمعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس (INRAT)، والمعهد الوطني الزراعي بتونس (INAT)، والمركز الفرنسي للتعاون الدولي في مجال البحث الزراعي من أجل التنمية (Cirad).
والخلاصة التي تبرزها المذكرة واضحة: الإمكانات موجودة، لكن عدة عوائق لا تزال تحول دون تطوير تسويق منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية.
إمكانات كبيرة لم تستغل بالكامل بعد
تتمتع منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية بعدة نقاط قوة. فهي غالبا ما تقوم على مهارات ومعارف محلية، وتنتج بطرق تقليدية، وترتبط ارتباطا وثيقا بهوية المناطق التي تنتمي إليها.
وتبرز بعض التجارب القائمة حجم هذه الإمكانات. ففي سيدي بوزيد، تمكنت مجموعة التنمية الفلاحية والصيد البحري “بطومة” من تسويق منتجاتها في المساحات التجارية الكبرى بفضل مرافقة ملائمة. وفي المنطقة نفسها، تتولى الشركة التعاضدية للخدمات الفلاحية “ديفاغرو” جمع المنتجات المحولة من قبل النساء الريفيات وتسويقها مباشرة، مما ساهم في تعزيز حضورها وتأمين منافذ بيع منتظمة.
وتظهر مبادرات أخرى أيضا ما يمكن أن توفره قنوات التسويق الأكثر تنظيما. فعلى سبيل المثال، تتيح “أسواق المرأة المتضامنة“ لأكثر من مئة امرأة ومنتج صغير تسويق منتجاتهم مباشرة للمستهلكين، مع الحد من عدد الوسطاء.

ولا تقتصر هذه الإمكانات على السوق المحلية. فقد تمكنت بعض المنظمات من الانتقال إلى مرحلة أخرى والتوجه نحو التصدير. ومن بين هذه التجارب، نجحت الشركة التعاضدية للخدمات الفلاحية “لالة قمر” في تصدير كسكسي “محمودي”، المصنوع من صنف قديم من القمح الصلب، جرى تثمينه بالاعتماد على خبرات النساء الريفيات، وعلى الشهادة البيولوجية ومبادئ التجارة العادلة.
ما الذي لا يزال يعيق الوصول إلى الأسواق؟
رغم هذه التجارب الناجحة، لا تزال عدة عوامل تحد من التطور التجاري لمجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية. ويتمثل التحدي الأول في جودة المنتجات وتوحيد مواصفاتها. فالأسواق الحديثة، سواء تعلق الأمر بالمساحات التجارية الكبرى أو بالتصدير، تتطلب منتجات مستقرة الجودة، وقابلة للتتبع، ومستجيبة لمعايير دقيقة. غير أن عمليات التحويل والتوضيب ومراقبة الجودة ليست دائما موحدة أو منسقة بالشكل الكافي.
كما تمثل القدرة على الظهور والوصول إلى المستهلكين تحديا مهما. فالعديد من المجموعات تستخدم بالفعل شبكات التواصل الاجتماعي للتعريف بمنتجاتها، لكن حضورها الرقمي لا يزال محدودا في كثير من الحالات، كما أن مواقعها الإلكترونية لا تحظى دائما بالقدر الكافي من الظهور. ويمثل الوصول إلى قنوات التوزيع بدوره عقبة أخرى. فدخول المساحات التجارية الكبرى أو الوصول إلى الأسواق الدولية يتطلب الاستجابة لشروط تتعلق بالجودة والتوضيب والحصول على الشهادات والقدرة على التفاوض التجاري. أما على المستوى المؤسساتي، فلا يزال الإطار المنظم بحاجة إلى مزيد من التطوير. فغياب صيغة واضحة ومنظمة للعلاقات بين مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري والشركات التعاضدية للخدمات الفلاحية (SMSA) يحد أحيانا من فعالية عمليات التسويق ومن القدرة على الوصول إلى الأسواق المنظمة.

روافع للانتقال إلى مرحلة أوسع
في مواجهة هذه التحديات، تقترح مذكرة التفكير التي أعدتها APEDDUB وINRAT وINAT وCirad مجموعة من مسارات التحسين.
ويتمثل المسار الأول في تنويع قنوات التسويق. فمن شأن إدماج المنتجات تدريجيا في المساحات التجارية الكبرى، وتطوير منصات البيع عبر الإنترنت، وتوسيع تجربة “أسواق المرأة المتضامنة“ أن يساهم في توسيع قاعدة الحرفاء وتقليص الاعتماد على عمليات البيع العرضية.
ويبرز التحول الرقمي كرافعة واعدة بشكل خاص. فشبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ومنصات البيع الجماعية يمكن أن تمنح المنتجات حضورا دائما، وأن تتيح تسويقها على مدار السنة.
كما تؤكد المذكرة أهمية السرد القصصي للمنتج (Storytelling)، أي إبراز قصة المنتج ومن تقف وراءه، وربطه بالمنتجات والمناطق وخصوصيات المهارات والمعارف المحلية.
ويمثل إضفاء الطابع المهني على الممارسات محور عمل رئيسيا آخر. ويشمل ذلك وضع معايير داخلية، واعتماد أدوات بسيطة لمراقبة الجودة، وتحسين أساليب التوضيب، وإنشاء هوية بصرية متناسقة تساعد المستهلك على التعرف بسهولة على المنتجات.
كما يمثل تثمين مصدر المنتجات وأصلها رافعة مهمة. فتطوير تسميات المنشأ المحمية، والحصول على الشهادات البيولوجية، واعتماد مختلف أشكال التصنيف والوسم، كلها آليات يمكن أن تعزز مصداقية المنتجات وتفتح أمامها أسواقا أكثر تطلبا.
وأخيرا، تظل المرافقة المؤسساتية ضرورية. إذ يمكن للهياكل العمومية ومؤسسات التكوين والمراكز الفنية وهيئات إصدار الشهادات أن تساهم في تعزيز المهارات التجارية، وتحسين الجودة، وتطوير نماذج اقتصادية تتلاءم مع خصوصيات الواقع المحلي.

لا تمثل عملية التسويق مجرد المرحلة الأخيرة من الإنتاج. فهي تحدد أيضا قدرة النساء الريفيات على الاستفادة بشكل كامل من عملهن ومن المعارف والخبرات التي راكمنها.
لذلك، يتجاوز الرهان مجرد بيع المنتجات. فالمطلوب هو بناء نماذج اقتصادية مستدامة قادرة على تعزيز استقلالية النساء، والحفاظ على التراث الغذائي المحلي، وخلق قيمة أكبر داخل المناطق الريفية.
ايكوتوس
للاطلاع على مذكرة التفكير
"تسويق منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية: العمل من أجل تحسين تسويق منتجات مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية"، أُنجزت في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026)، من خلال تعاون بين APEDDUB - الجمعية من أجل حماية البيئة والتنمية المستدامة ببنزرت، وINRAT - المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس، وINAT - المعهد الوطني الزراعي بتونس، و**Cirad - المركز الفرنسي للتعاون الدولي في مجال البحث الزراعي من أجل التنمية**، بدعم من برنامج Savoirs Éco، الممول من الاتحاد الأوروبي والمنفذ من قبل Expertise France.