النساء الريفيات: إمكانات اقتصادية لا تزال غير مستغلة بما يكفي

Ecotous
6 Min Lire

في المناطق الريفية التونسية، تنخرط آلاف النساء في مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري (GDAP)، لإنتاج منتجات فلاحية أو حرفية وتحويلها وتسويقها. وتساهم هذه الهياكل الجماعية في التنمية الاقتصادية المحلية وتحسين ظروف عيش النساء الريفيات. غير أن إمكاناتها لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي. وبين العوائق التنظيمية ونقص التمويل والحاجة إلى مزيد من المرافقة، لا تزال هناك تحديات عديدة يتعين رفعها لتعزيز استقلالية هذه الهياكل وتأثيرها.

منذ عدة سنوات، تعمل النساء الريفيات في تونس على تطوير أشكال جديدة من التنظيم الجماعي بهدف تحسين مداخيلهن وتعزيز حضورهن في الحياة الاقتصادية المحلية. وقد تجسدت هذه الديناميكية بشكل خاص في تنامي مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية. فمنذ إنشاء أول مجموعة من هذا النوع سنة 2011، انطلقت تجربة مهدت الطريق أمام حركة تضم اليوم 252 مجموعة تنمية فلاحية وصيد بحري نسائية، تجمع 7,657 منخرطة. وإلى جانب هذه الهياكل، توجد أيضا 33 شركة تعاضدية للخدمات الفلاحية نسائية، تضم أكثر من 1,200 عضوة. وبعيدا عن الأرقام، تمثل هذه المنظمات تجربة مميزة في مجال التنمية المحلية، تقوم على التعاون وتثمين المهارات والمعارف المحلية والانخراط الجماعي للنساء الريفيات.

وتتناول مذكرة التفكير “مجموعة التنمية الفلاحية والصيد البحري في تونس: مسارات لتعزيز استقلاليتها”، التي أُعدت في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026) من قبل APEDDUB وINRAT وINAT وCirad، تحديدا الشروط الكفيلة بتمكين هذه المنظمات من تعزيز استقلاليتها وتطوير إمكاناتها بشكل كامل.

محرّك هادئ للتنمية الريفية

تؤدي مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية اليوم دورا يتجاوز بكثير مجرد توفير مصادر للدخل. فهي توفر للنساء فضاء للتعلم وتبادل الخبرات والتعاون، كما تساهم في اكتساب مهارات جديدة، وتشجع المبادرة الاقتصادية، وتعزز الثقة بالنفس لدى المنخرطات.

كما تتيح هذه المجموعات توحيد الجهود. فمن خلال العمل الجماعي، تستطيع النساء الوصول بسهولة أكبر إلى بعض المعدات، وتطوير أنشطة التحويل، والمشاركة في المعارض، وتسويق منتجاتهن في ظروف أفضل. غير أن التحدي الرئيسي يظل مرتبطا بالاستقلالية. فالمنظمة المستقلة قادرة على تحديد أولوياتها الخاصة، واتخاذ قراراتها، ووضع استراتيجيتها التنموية، مع الاستفادة بفاعلية من الدعم الخارجي عند الحاجة. وتمثل هذه الاستقلالية شرطا أساسيا لضمان استمرارية الأنشطة وتمكين المجموعات من التكيف مع التحولات الاقتصادية في محيطها.

استقلالية لا تزال تعترضها عدة عوائق

رغم التقدم المحرز، لا تزال مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية تواجه عدة صعوبات تحد من تطورها. ويتمثل التحدي الأول في الإطار التنظيمي. فالقواعد الحالية لا تستجيب دائما لخصوصيات هذه المنظمات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتطوير أنشطة اقتصادية أو الاستثمار في مشاريع جديدة.

وتشكل القدرات الإدارية والتسييرية تحديا رئيسيا آخر. فبالنسبة إلى العديد من المنخرطات، لا تزال التجربة الجمعياتية حديثة نسبيا. وتتطلب الإدارة الإدارية والمالية والتنظيمية مهارات تستوجب في كثير من الأحيان مرافقة متخصصة. كما تظل البنية التحتية غير كافية. فبعض المجموعات لا تتوفر على مقرات ملائمة للإنتاج أو التخزين أو استقبال الشركاء. ويمكن لهذا الوضع أن يحد من عملية إضفاء الطابع المهني على أنشطتها ومن تطورها.

وتضاف إلى هذه الصعوبات محدودية الموارد المالية. إذ تظل إمكانات الاستثمار محدودة، ولا تزال العديد من المجموعات تعتمد على دعم المشاريع أو الجهات المانحة لتمويل أنشطتها. وأخيرا، يمثل التسويق تحديا دائما. فالوصول إلى الأسواق والترويج للمنتجات وتطوير شبكات التوزيع تتطلب موارد ومهارات لا تتوفر دائما على المستوى المحلي.

حلول لتحرير إمكاناتها

في مواجهة هذه التحديات، تحدد مذكرة التفكير “مجموعة التنمية الفلاحية والصيد البحري في تونس: مسارات لتعزيز استقلاليتها” عدة مسارات للعمل. ويتمثل المسار الأول في تكييف بعض الأحكام التنظيمية بما يراعي بصورة أفضل واقع مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية، ويسهل تطوير أنشطتها الاقتصادية.

كما يمثل تعزيز المهارات أولوية. فمن شأن تنظيم دورات تدريبية في مجالات الإدارة والحوكمة والقيادة والتخطيط أن يمكّن المنخرطات من إدارة هياكلهن بصورة أفضل وبناء رؤية مشتركة لتطورها. ويمثل تنويع الأنشطة مسارا مهما آخر. إذ إن تطوير مصادر متعددة للدخل يساهم في الحد من المخاطر المرتبطة بالتخصص المفرط، وتحسين القدرة الاقتصادية للمجموعات على الصمود. كما يمكن لإدماج خريجات شابات في مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري أن يعزز قدراتها التقنية والتنظيمية، ويساهم في الوقت نفسه في دعم اندماج الشابات مهنيا في الوسط الريفي.

وتوصي المذكرة كذلك بتطوير آليات تمويل ملائمة، ولا سيما من خلال خطوط ائتمان خاصة يمكن أن توفرها بنوك التنمية أو مؤسسات التمويل الأصغر. كما يمثل تعزيز التشبيك رافعة أساسية. فمن شأن تعاون أفضل بين المجموعات أن يتيح تبادل الخبرات، وتجميع بعض الموارد، وتحسين استراتيجيات التسويق. 

تظهر تجربة مجموعات التنمية الفلاحية والصيد البحري النسائية أن النساء الريفيات أصبحن اليوم فاعلات أساسيات في التنمية المحلية. ولا تقتصر مساهمتهن على إحداث أنشطة اقتصادية، بل تشمل أيضا تعزيز النسيج الاجتماعي، وتثمين الموارد المحلية، ودعم ديناميكية المناطق الريفية.

ومن ثم، فإن تعزيز استقلاليتهن وتحسين نفاذهن إلى الموارد ودعم تطورهن يمثل رهانا يتجاوز المجموعات المعنية وحدها. كما أنه يشكل استثمارا في تنمية ريفية أكثر شمولا واستدامة، وأكثر اعتمادا على المبادرات المحلية.

ايكوتوس

للاطلاع على مذكرة التفكير

 "مجموعة التنمية الفلاحية والصيد البحري في تونس: مسارات لتعزيز استقلاليتها"، أُنجزت في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026)، الذي تنفذه APEDDUB - الجمعية من أجل حماية البيئة والتنمية المستدامة ببنزرت، وINRAT - المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس، وINAT - المعهد الوطني الزراعي بتونس، و**Cirad - المركز الفرنسي للتعاون الدولي في مجال البحث الزراعي من أجل التنمية**، بدعم من برنامج Savoirs Éco، الممول من الاتحاد الأوروبي والمنفذ من قبل Expertise France.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *