العولمة وتحديات قطاع النقل في تونس

5 Min Lire

 

تُحدث العولمة تحولات عميقة في طرق التبادل والتنقل في العالم. وفي تونس، يقف قطاع النقل في الصفوف الأمامية لهذه التحولات؛ إذ يدعم انفتاح الاقتصاد الوطني، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن مواطن ضعفه. نظرة على أربعين عاماً من التحولات والتحديات.

منذ عدة عقود، تعمل العولمة على ربط الاقتصادات وتقريب الشعوب. فهي تقوم أساساً على انسيابية المبادلات، حيث تعبر السلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيات والمعلومات الحدود بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. غير أن هذا الانفتاح سيظل مجرد شعار إذا لم يكن مدعوماً بمنظومة نقل فعّالة.

وبفضل موقعها الاستراتيجي في قلب البحر الأبيض المتوسط، يلعب النقل في تونس دوراً حيوياً في إدماج البلاد في الاقتصاد العالمي. فالطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات تمثل الشرايين التي تسمح بتدفق التجارة الدولية. ومع ذلك، ورغم ما أتاحه الانفتاح من فرص واعدة، فقد كشف أيضاً عن حدود هيكلية في قطاع حيوي.

عندما تمر العولمة عبر الموانئ والطرق

تُعد تونس مندمجة بقوة في التدفقات التجارية الدولية. إذ تمثل أوروبا أكثر من ثلاثة أرباع مبادلاتها التجارية، كما يأتي نحو ثلثي الاستثمارات الأجنبية من الاتحاد الأوروبي. وعلى الصعيد الإقليمي، تراهن البلاد أيضاً على اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية لرفع صادراتها إلى القارة إلى 5% بحلول سنتي 2026-2027

وفي هذا السياق، يحتل النقل مكانة محورية. ويهيمن النقل البحري بشكل واضح، حيث تتركز أغلب حركة العبور في موانئ رادس وحلق الوادي وصفاقس وبنزرت. ففي سنة 2015 استقبلت هذه الموانئ نحو 28 مليون طن من البضائع وما يقارب 730 ألف مسافر.

ويكمّل النقل البري هذه المنظومة من خلال ربط الموانئ بالمناطق الصناعية، إذ يمثل وحده نحو نصف القيمة المضافة للقطاع. أما النقل الجوي والنقل بالسكك الحديدية فيبقيان أقل حجماً، غير أنهما يساهمان أيضاً في تحقيق التوازن العام للمنظومة.

استراتيجيات طموحة وتأخر مستمر

منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، سعت تونس إلى تحديث شبكة النقل لديها لمواكبة متطلبات العولمة. وقد شهدت البلاد إطلاق مشاريع كبرى، مثل إنشاء الطرق السيارة، وكهربة خطوط السكك الحديدية، وتحديث المطارات والموانئ، بدعم من شركاء دوليين على غرار البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.

وخلال الفترة الممتدة بين 2002 و2006، مثّل قطاع النقل نحو 20% من إجمالي الاستثمارات في البلاد. وكان الهدف واضحاً: إنشاء منظومة نقل فعّالة ومنخفضة الكلفة تدعم القدرة التنافسية للمؤسسات المصدّرة.

غير أن هذه الجهود تأثرت بالأزمات السياسية والاقتصادية. فبعد ثورة 2011، تراجعت الاستثمارات الأجنبية وتأخرت عدة مشاريع. وفي سنة 2014 تراجعت تونس من المرتبة 60 إلى المرتبة 118 عالمياً من حيث الأداء اللوجستي. وفي منطقة تونس الكبرى، لم تعد شبكة الحافلات تعمل سوى بحوالي 220 حافلة فقط، وهو عدد ضئيل مقارنة بحجم الطلب.

ما هي سبل مواجهة هذا التحدي؟

إدراكاً لحجم التحديات، أعادت السلطات التونسية سنة 2016 إطلاق استراتيجية طويلة المدى عبر إعداد المخطط الوطني للنقل في أفق 2040، بهدف تدارك التأخر وتحويل القطاع إلى محرك للنمو.

ومن بين الأولويات المطروحة:

  • إنشاء ميناء المياه العميقة بالنفيضة، وهو مشروع استراتيجي ضخم يهدف إلى جعل تونس منصة لوجستية إقليمية، لكنه ما يزال في انتظار التنفيذ.
  • توسعة ميناء رادس بهدف تخفيف الضغط على حركة العبور واستقبال سفن أكبر حجماً.
  • تحديث النقل بالسكك الحديدية عبر فتح المجال أمام مشغلين جدد وإدماج تقنيات النقل متعدد الوسائط التي تجمع بين الطرق والسكك الحديدية والنقل البحري.
  • تطوير الأسطول الوطني وتعزيز التكوين من أجل الاستجابة بشكل أفضل لمتطلبات الاقتصاد المعولم.

وتهدف هذه الإصلاحات إلى تعزيز ارتباط تونس بالتجارة العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص عمل مؤهلة في مهن النقل.

في الواقع، لا يقتصر النقل على كونه مسألة بنية تحتية فحسب، بل إنه يحدد أيضاً مستوى القدرة التنافسية وانفتاح الاقتصاد التونسي. ورغم أنه ساهم في إدماج البلاد في مسار العولمة، فإن حدوده الهيكلية ما زالت تعيق استغلال كامل إمكاناته.

وقد تُمكّن المشاريع الجارية من تحويل الموقع الجغرافي المتميز لتونس إلى ميزة استراتيجية، وجعلها مركز عبور رئيسياً بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. غير أن تحقيق هذا الهدف يبقى رهين القدرة على إنجاز الإصلاحات المقررة حتى نهايتها.

أحمد دربال – المعهد العالي للنقل واللوجستيك بسوسة
تركية السويعي – كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس
قيس الصامت – أستاذ محاضر في العلوم الاقتصادية؛ المنسق البيداغوجي لإجازة LNST-POT

اطلع على الدراسة:

The Impact of Globalization on the Transport Sector: The Case of Tunisia"

المنشورة تحت: ISSN(e) : 2222-6737 ISSN(p): 2305-2147 DOI: 10.55493/5002.v14i8.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *