العمل غير الرسمي والتجارة في الشوارع: بين هشاشة الفرص

4 Min Lire

كل يوم، في تونس وخارجها، تتحول الشوارع إلى أسواق مفتوحة. هذا الاقتصاد الموازي، غالبًا غير الرسمي، يشكل جزءًا من حياة آلاف الأشخاص. وعلى الرغم من مظهره الفوضوي، إلا أنه يعتمد في الواقع على ديناميكيات اجتماعية قوية، ويقدم حلولًا عملية للإقصاء الاقتصادي.

يجذب اقتصاد الشارع في المقام الأول أولئك الذين لم يعد النظام قادرًا على دمجهم: الشباب العاطلين عن العمل، العائلات في وضعية صعبة، وسكان الأرياف الذين جاءوا بحثًا عن فرص في المدينة. هؤلاء البائعون، غالبًا بلا شهادات أو حماية اجتماعية، ينتمون إلى ما يُعرف بالطبقة الهشة، وهي طبقة غير مرئية اجتماعياً، بلا استقرار أو آفاق واضحة. بالنسبة لهم، البيع في الرصيف ليس خيارًا بقدر ما هو ملاذ أخير.

ومع ذلك، فإن هذا الاقتصاد ليس مجرد نشاط فردي معزول، بل يعتمد على روابط عائلية وقبلية قوية جدًا. ففي حالة السوق غير الرسمي في شارع إسبانيا، ينحدر غالبية البائعين من جهة القصرين وينتمون إلى شبكة ذات أصول قبلية واحدة. هذه التضامنات القديمة، التي غالبًا ما تتجاهلها السياسات العامة، تشكل قاعدة لتنظيم اقتصادي حقيقي.

يستوطن هذا النشاط التجاري الشوارع الأكثر ازدحامًا، حيث يمر الزبائن المرتقبون: بين محطة برشلونة، والمدينة القديمة، وشارع بورقيبة. هذا التموقع ليس وليد الصدفة، بل يعكس استراتيجية بسيطة: البيع حيث يسير الناس. وهذا القرب من تدفقات الحركة الحضرية أساسي للحفاظ على أسعار تنافسية.

لكن هذا التواجد في الفضاء العام يرتبط أيضًا بعلاقة خاصة مع السلطة. فالدولة تتسامح أحيانًا، تُؤطر بتوجيه محدود، ثم تُقمع في بعض الأوقات. ومع ذلك، فإن هذا الأسلوب المتقطع غالبًا ما يكون غير فعال، لأن اقتصاد الشارع يقوم بوظيفة لا توفرها الهياكل الرسمية: فهو يُعيل آلاف العائلات ويدعم بشكل غير مباشر القدرة الشرائية لطبقة وسطى هشة.

وأخيرًا، يقوم هؤلاء البائعون بـاستغلال الشوارع من خلال الاستخدام المتكرر. ليس لديهم حق ملكية رسمي، لكن تواجدهم الدائم يمنحهم نوعًا من الشرعية الاجتماعية. وفي التقاليد العربية، تعرف هذا الظاهرة بـ “الحوز”: أي التملك عن طريق الاستخدام، حتى في غياب القانون.

تنظيم واقعي، وليس إقصاءً عنيفًا

مؤخرًا، كثفت السلطات التونسية عمليات تفكيك الأسواق غير الرسمية. هذه التدخلات لا تثير ردود فعل كبيرة: فالبائعون، غالبًا بلا شبكات أو تدريب سياسي، ينتظرون فقط تخفيف الإجراءات للعودة. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لا تحل المشكلة على المدى الطويل.

يبدو أن إيواء هؤلاء الباعة في أسواق مغطاة حلٌّ مناسب نظريًا. لكن في الواقع، هذه الهياكل مكلفة، وغير مغرية، وغالبًا ما تكون في مواقع غير ملائمة. فهي لا تلبي لا احتياجات الباعة ولا احتياجات العملاء، الذين يفضلون سهولة الوصول التي توفرها الشوارع.

لذلك، يجب التفكير في تنظيم تدريجي ومتكيف. لا يتعلق الأمر بتقنين كل شيء بين ليلة وضحاها، بل بتأطير النشاط دون عنف. ويمكن أن يشمل ذلك:

  • تهيئة مناطق بيع في الفضاء العام، محددة بوضوح؛
  • منح تراخيص خفيفة ورمزية؛
  • فرض نظام ضريبي ملائم، برسوم معقولة؛
  • إدارة أوقات العمل لتجنب الاكتظاظ الحضري.

هذا النوع من التنظيم يُمكّن من التوفيق بين متطلبات النظام العام والواقع الاجتماعي. كما يمنع أن يؤدي الإقصاء إلى دفع البعض نحو أنشطة غير قانونية أكثر خطورة، أو نحو الهجرة غير الشرعية.

رهان على المدى الطويل: الإدماج دون إقصاء

على نطاق أوسع، لن يتمكن هذا الاقتصاد غير الرسمي من التطور إلا إذا تمّت معالجة الأسباب العميقة للهشاشة: الفقر في المناطق الريفية، التفاوتات الجهوية، ونقص الفرص المهنية. ولكن، إلى حين مواجهة هذه التحديات، يمكن لاقتصاد الشارع أن يتحول إلى رافعة للإدماج إذا ما تم الاعتراف به ومرافقته بذكاء.

ويفترض ذلك تغييرًا في النظرة: أي عدم اعتبار هؤلاء الباعة مصدر إزعاج، بل فاعلين اقتصاديين كاملين. فمن خلال توفير إطار مرن لكنه منظم، يمكن تحويل نشاط مفروض إلى شكل من أشكال المشاركة الفاعلة في الحياة الحضرية.

 سفيان جبالله– باحث في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا

مذكرة سياسات

Travail informel et commerce de rue : entre précarité et opportunités

Partager cet article