الضرائب، الشركات، وعدم المساواة: الإشكال الحقيقي للنظام الضريبي التونسي

6 Min Lire

ماذا لو أصبح الضريبة، المفترض أنها تموّل الصالح العام، عائقًا أمام التنمية؟ في تونس، بلغت الضغوط الضريبية مستوى يهدد القدرة التنافسية، ويكبّل الاستثمار، ويدفع جزءًا كبيرًا من الاقتصاد للعمل في الظل.

وراء الأرقام هناك شركات منهكة، وعمال في وضع هش، ودولة تكافح للحفاظ على توازن بين العدالة الاجتماعية والإيرادات العامة. الوضع مقلق، لكنه ليس ميؤوسًا منه. وللاستعادة السيطرة، يجب المجازفة بإصلاح عميق للنظام الضريبي.

ضرائب أصبحت معيقة للإنتاجية

الضريبة أحد أعمدة سيادة الدولة، إذ تمكّن من تمويل الخدمات العمومية، وإعادة توزيع الثروات، ودعم الفئات الأكثر هشاشة. لكن في تونس، يبدو أن هذه الأداة الأساسية فقدت بوصلة عملها.

منذ ثورة 2011، لم تتوقف الضغوط الضريبية عن الارتفاع. ففي المتوسط، تدفع المؤسسة التونسية الخاضعة للقانون نحو 43.5٪ من مداخيلها على شكل ضرائب ومساهمات اجتماعية. وهذا أكثر مما تدفعه الشركات في ألمانيا، رغم أن هوامش الربح والإنتاجية هناك أعلى بكثير.

النتيجة: تُنظر إلى الضرائب في تونس كعبء وليس كرافعة، ويظل هذا العبء يُلقى على كاهل نفس الفئات: الشركات المنظمة والعمال في القطاع الرسمي.

ميزان مزدوج

ما يزيد الوضع ظلماً هو أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد يظل خارج الرقابة. إذ يُقدّر أن نحو 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي التونسي يأتي من القطاع غير الرسمي. وهذا يعني أن التاجر غير المصرح به أو من يتمتع بوضعية “صغيرة” لتخفيف الضريبة يسهم أقل بكثير من الموظف أو المؤسسة الصغيرة والمتوسطة الملتزمة بالقانون

على العكس، تُفرض الضرائب بشكل ثقيلي على الشركات الشفافة، وأحيانًا على نفس الأساس أكثر من مرة، كما هو الحال مع ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة الشركات. والنتيجة سلبية: كلما كان المرء ملتزمًا بالقانون، كلما دفع أكثر.

العواقب متعددة: فقدان التوازن في المنافسة، تثبيط المبادرات، فقدان الثقة، وفي النهاية… الهروب نحو الاقتصاد الموازي.

نظام ضريبي غير متوقع

إلى جانب ثقل الضريبة، تثير التقلبات المستمرة في القوانين قلق الشركات. تتغير القواعد من سنة لأخرى، وبعض الآليات غامضة أو متناقضة، وأخرى تُعدّل دون تشاور. ولا يزال الكود العام للضرائب غير موجود، رغم توقعه منذ 2006.

هذه التقلبات تعزز انعدام الأمان الضريبي: الشركات لم تعد قادرة على التخطيط، فهي مجبرة على مراجعة استراتيجياتها باستمرار، والتكيف مع معايير متغيرة، والتعامل مع قرارات إدارية أحيانًا عشوائية.

تخفيف الضغط واستعادة الثقة

لإعطاء نفس جديد للاقتصاد، يمكن اقتراح عدة مسارات:

  1. خفض الضرائب المباشرة على الشركات الملتزمة: هذا لا يعني تقليل إيرادات الدولة، بل توزيعها بشكل أفضل. تخفيف العبء الضريبي يمكّن الشركات من الاستثمار، وتوظيف المزيد، والابتكار.
  2. تحديث الإدارة الضريبية: رقمنة الخدمات، تخصص المراقبين، تبسيط الإجراءات، واستهداف فعال أكثر لعمليات الغش. الهدف مزدوج: جعل الضريبة أكثر شفافية، وجعل الغش أكثر خطورة.
  3. تعميم ضريبة القيمة المضافة ومراجعة نسبها: لتوحيد القواعد، وإلغاء “المناطق الرمادية”، وجذب مزيد من الفاعلين إلى النظام الضريبي، خصوصًا الذين يستفيدون من أنظمة استثنائية.

دمج الاقتصاد غير الرسمي بدل معاقبته

الاقتصاد غير الرسمي غالبًا ما يكون عرضًا لنظام ضريبي معقد أو جامد للغاية. للخروج منه، لا يكفي العقاب، بل يجب توفير مسار للتسوية: ضريبة مبسطة، تغطية اجتماعية مناسبة، ومرافقة خلال مرحلة الانتقال.

كما أنه من الضروري تمييز الأنشطة المشروعة (مثل المحلات الصغيرة) عن الأنشطة غير القانونية (كالتهريب أو المنتجات المقلدة أو المدعومة). الهدف ليس القضاء على هذه الاقتصاديات الهامشية، بل دمجها لإطار تنظيمي أفضل.

مثل هذا الانتقال يسمح بتصحيح المالية العامة وتوسيع القاعدة الضريبية دون زيادة العبء على من يدفعون بالفعل.

الأمان الضريبي: حق أساسي

ما تطالب به الشركات ليس الإفلات من المسؤولية، بل الاستقرار. القدرة على توقع القواعد، وحساب التأثير الضريبي للاستثمار، وتجنب المفاجآت الناتجة عن قوانين سابقة.

يقع الأمان الضريبي على ركيزتين أساسيتين: قوانين واضحة ودائمة، وإدارة شفافة ومتجاوبة. وهو أيضًا عامل جذب للمستثمرين الأجانب، الذين غالبًا ما يثنيهم عن الاستثمار عدم استقرار النظام الضريبي في تونس.

في العديد من الدول، يُعتبر مفهوم الثقة المشروعة مبدأ أساسيًا. وفي تونس، حان الوقت ليصبح واقعًا ملموسًا، وليس مجرد طموح.

إصلاح ضريبي لإعادة إنعاش الاقتصاد

في مواجهة نظام ضريبي أصبح مصدرًا للظلم وعدم الكفاءة، من الضروري الشروع في إصلاح عميق ومنهجي. وفيما يلي أهم التوصيات التي يقترحها المؤلف لإعادة الضريبة إلى خدمة التنمية:

  • تخفيف الضغط الضريبي على الشركات المنظمة، وخصوصًا تلك التي تلتزم بالقوانين، لتعزيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، ودعم النمو الاقتصادي.
  • تبسيط النصوص الضريبية وتقليل تقلباتها، لتمكين الفاعلين الاقتصاديين من التخطيط لمشاريعهم بثقة.
  • تحديث الإدارة الضريبية، من خلال الرقمنة، وتخصص المفتشين، وإدارة المراقبة بشكل أكثر شفافية.
  • مراجعة نظام “الفورفيتير، بحيث يُقتصر على صغار المستغلين جدًا، للحد من استغلال النظام وسوء الاستخدام.
  • تعميم ضريبة القيمة المضافة (TVA) مع الحد من الإعفاءات، لتوسيع القاعدة الضريبية واستعادة العدالة بين مختلف الفاعلين.
  • دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا، من خلال إنشاء آليات انتقال تحفيزية (ضريبة مبسطة، تغطية اجتماعية، تسوية طوعية…).
  • تعزيز مكافحة الغش الضريبي، عبر تزويد الإدارة بوسائل بشرية وتقنية ورقمية أكثر فعالية.
  • ضمان أمان ضريبي حقيقي، بقواعد ثابتة وواضحة وغير رجعية، لاستعادة ثقة الشركات والمستثمرين.
، وليد قضوم – أستاذ القانون الخاص والعلوم الجنائية ، كلية الحقوق بصفاقس خبير مستقل

للاطلاع على الدراسة

"سيادة الدولة، الأمان الضريبي والشركات"

Partager cet article