التعليم في الخفاء في تونس: فهم اللجوء الواسع النطاق إلى الدروس الخصوصية

6 Min Lire

في تونس، لم تعد الدروس الخصوصية استثناءً بل أصبحت القاعدة: حيث يُفصح ما يقارب ثلاثة أرباع الأسر عن اللجوء إليها. ويعكس هذا الخيار، الذي يُشكل عبئًا ثقيلًا على الميزانيات، استراتيجيات الأسر للاستثمار في المستقبل، فضلاً عن القيود المستمرة التي يعاني منها نظام التعليم العام.

كانت الدروس الخصوصية تُعتبر في الماضي ترفاً محصوراً بالأثرياء، لكنها أصبحت اليوم خطوة لا غنى عنها في المسار الدراسي. وسواء كان الهدف سد الثغرات التي تراكمت على مر السنين أو التحضير لامتحانات حاسمة، فإن غالبية الأسر التونسية تعتبرها الآن أمراً ضرورياً.

تكشف هذه الممارسة، التي تُسمى” التعليم في الظل“، عن حقيقة مزدوجة. فمن ناحية، تعكس رغبة الآباء في ضمان أفضل فرص النجاح لأطفالهم في سياق مدرسي يُعتبر غير كافٍ. ومن ناحية أخرى، تسلط الضوء على التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية: تبدو الدروس الخصوصية فرصة، لكنها تزيد من الفجوة بين من يستطيعون تحمل تكاليفها ومن يجدون صعوبة في مواكبة الدراسة

يؤكد محي الدين رحموني (جامعة تونس) وناجي سعيدي (المعهد العالي للمعلوماتية في الكاف، جامعة جندوبة) في دراستهما: “الطلب الأسري على الدروس الخصوصية في تونس، المنشورة في المجلة الدولية لاقتصاديات التعليم والتنمية،  أن اللجوء إلى الدروس الخصوصية هو نتيجة لتشابك عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية. قراءة مفيدة لفهم المنطق الأسري الكامن وراء هذه الممارسة التي أصبحت شبه عالمية.

عندما لا تكفي المدرسة

احتل التعليم مكانة مركزية في المشروع الوطني التونسي منذ الاستقلال. وكان من المفترض أن توفر المدرسة العمومية، المجانية والشاملة، فرصًا متساوية للنجاح للجميع. لكن مع مرور الوقت، تراكمت الصعوبات: مباني متداعية، ونقص في الموارد، وأساليب تعليمية غير ملائمة في بعض الأحيان، ومناهج تعاني من صعوبة في مواكبة التطورات العالمية.

في مواجهة هذه القيود، طورت العائلات استراتيجيات موازية. أصبحت الدروس الخصوصية نوعاً من ”التأمين المدرسي“: فهي تسمح بمراجعة الأساسيات، وترسيخ التعلم، وبالنسبة للأكثر طموحاً، التقدم بخطوة إلى الأمام. حتى العائلات المتواضعة لم تعد تتردد في جعلها أولوية في ميزانيتها، مقتنعة بأن هذا الاستثمار ضروري لمستقبل أطفالها الأكاديمي والمهني.

مسألة موارد، ولكن ليس فقط

تزداد احتمالية اللجوء إلى الدروس الخصوصية مع ارتفاع مستوى المعيشة. فالأسر التي تمتلك ثروة، أو سيارة، أو جهاز كمبيوتر، أو التي تستطيع الذهاب في إجازة، لديها إحصائيًا فرص أكبر في تمويل الدروس الخصوصية. ومع ذلك، فإن حتى الأسر الضعيفة تلجأ إلى ذلك، حتى لو تطلب الأمر التضحية بجزء كبير من ميزانيتها.

ما يلعب المستوى التعليمي للوالدين دورًا حاسمًا. وتسلط الدراسة الضوء بشكل خاص على تأثير الأمهات: فعندما تكون الأمهات متعلمات، فإنهن يولين اهتمامًا أكبر بتعليم أطفالهن. وبالتالي، فإن الأمر لا يقتصر على المال فحسب، بل يتعلق أيضًا بالوعي بدور المدرسة كرافعة اجتماعية. وعلى العكس من ذلك، في المناطق الريفية حيث يكون مستوى تعليم الوالدين أقل، يظل الطلب على الدروس الخصوصية محدوداً.

وأخيراً، يؤثر حجم الأسرة وعدد الأشخاص في سن العمل على القرار. فقد تبدو الأسرة الكبيرة ضعيفة اقتصادياً، ولكن إذا كان العديد من أفرادها يساهمون في الدخل، فإنها تتمتع بقدرة أكبر على تمويل الدعم المدرسي.

الساحل والداخل، حقيقتان متناقضتان

تعد الجغرافيا عاملاً حاسماً آخر. ففي المناطق الساحلية، حيث تتركز الأنشطة الاقتصادية بشكل أكبر، يتوفر العرض بكثرة، والمعلمون متاحون، والأسر أكثر اطلاعاً. وهنا، أصبحت الدروس الخصوصية معياراً اجتماعياً.

على العكس من ذلك، في المناطق الداخلية، تؤدي الدخل المنخفض، والبعد عن المراكز الحضرية، ونقص البنية التحتية إلى تقييد اللجوء إلى هذا النوع من الدعم بشكل كبير. في هذه المناطق، غالبًا ما يعتمد القرار على مستوى تعليم الوالدين، ولا سيما الأمهات. عندما تكون الأمهات قد تلقين تعليمًا، فإنهن أكثر ميلًا إلى الاستثمار في الدروس الخصوصية، إدراكًا منهن لفوائدها.

يُجسِّد هذا التفاوت بين المناطق الساحلية والداخلية مشكلة أوسع نطاقاً: عدم المساواة في فرص التعليم حسب مكان الميلاد. ففي حين كان من المفترض أن تعمل المدارس العامة على تضييق هذه الفجوات، فإن اللجوء المتزايد إلى الدروس الخصوصية يزيد من تفاقمها.

التعليم: تحدي المساواة في الفرص

تعكس الدروس الخصوصية، التي أصبحت شبه عامة الآن، عزم الأسر على توفير مستقبل أفضل لأطفالها. لكنها توسع أيضاً الفجوات الاجتماعية والإقليمية. ومن ثم، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكننا أن نتحدث عن المساواة في الفرص عندما يعتمد النجاح الدراسي إلى هذا الحد على دخل الأسرة ومستوى تعليم الوالدين ومكان الإقامة؟

تقدم دراسة بعنوان ”الطلب الأسري على الدروس الخصوصية في تونس“، التي أجراها محي الدين رحموني (ESSECT، جامعة تونس) ونجي سعيدي (المعهد العالي للمعلوماتية في الكف، جامعة جندوبة) ونُشرت في المجلة الدولية لاقتصاديات التعليم والتنمية، مسارات عمل ملموسة. ومن بين هذه الإجراءات تعزيز السياسات التعليمية العامة من أجل تقليص الفجوات. وتؤكد الدراسة على ضرورة زيادة الاستثمار في المدارس العامة، لا سيما في المناطق الداخلية، ووضع آليات مساعدة موجهة للأسر ذات الدخل المحدود. فمع أن التعليم يظل المحرك الرئيسي للتنقل الاجتماعي، إلا أنه لا يمكنه القيام بهذا الدور إلا إذا كان متاحاً للجميع حقاً.

ايكوتوس

اطلع على الدراسة

"الطلب الأسري على الدروس الخصوصية في تونس»، وهي دراسة أنجزها محيي الدين الرحموني (المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية بتونس، جامعة تونس) ونجي السعيدي (المعهد العالي للإعلامية بالكاف، جامعة جندوبة)، ونُشرت في مجلة International Journal of Education Economics and Development"

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *