التشغيل في تونس: الخلل القائم بين المنظومة التربوية والمؤسسة الاقتصادية

6 Min Lire

أنهوا دراستهم، وأحيانًا بعد مسارات طويلة. ومع ذلك، لا يزال آلاف الشبان التونسيين خارج سوق الشغل، في حين تجد مؤسسات صعوبة في الانتداب. تقرير الدراسات الاقتصادية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية: تونس 2022 يسلّط الضوء على هذا التناقض ويقترح مسارات للخروج منه.

هل لديكم في محيطكم قريب، أخت، أو صديق أنهى دراسته العليا ويواصل تقديم الترشحات دون جدوى؟ لستم وحدكم. في تونس، بلغ بطالة حاملي الشهادات مستويات مرتفعة. إذ يُقدّر معدل البطالة بنحو 18% من السكان النشيطين، ويتجاوز 40% لدى من هم دون 25 سنة. المفارقة؟ في الوقت ذاته، تعبّر مؤسسات تنشط في قطاعات السيارات، والرقمنة، والسياحة عن صعوبات كبيرة في إيجاد الكفاءات المناسبة التي تحتاجها. كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ لفهم هذا التباعد، يمكن الرجوع إلى دراسة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي تقدّم تشخيصًا صريحًا لسوق الشغل في تونس. الخلاصة؟ الاختلالات متعددة. ويحدد التقرير ثلاثة اختلالات رئيسية، لافتة ودالّة.

عندما لا تتحدث المدرسة والمؤسسة الاقتصادية اللغة نفسها

أول ملاحظة: رغم الجهود المبذولة، فإن المنظومة التربوية تخرّج حاملي شهادات، لكنها لا توفّر دائمًا المهارات التي يحتاجها الاقتصاد فعليًا. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، توسّع الالتحاق بالتعليم العالي بشكل كبير، وهو تطور إيجابي. غير أن مواطن الشغل التي تم إحداثها تركزت أساسًا في قطاعات ضعيفة الإنتاجية (الفلاحة، البناء والأشغال العامة، والتجارة الصغرى)، وهي قطاعات لا تتطلب بالضرورة حاملي شهادات عليا.

النتيجة؟ يتم تكوين عدد كبير من الشباب في مجالات العلوم الإنسانية، والقانون، والاقتصاد، في حين تظل فرص التشغيل محدودة. وفي المقابل، تعاني القطاعات الواعدة مثل التكنولوجيا والصناعة الميكانيكية من نقص حاد في المهندسين، والتقنيين المختصين، وإطارات تجارية تتقن اللغات الأجنبية. إنه بالفعل حوار طرشان.

المشكل يبدأ قبل الجامعة بوقت طويل. لا يبدأ الخلل عند التعليم العالي، بل تظهر بوادر الضعف منذ المدرسة الأساسية. فالكثير من الأطفال يُنهون المرحلة الابتدائية دون إتقان جيد للقراءة أو الحساب. وماذا عن الانتقال المفاجئ من التدريس باللغة العربية إلى التدريس بالفرنسية في المرحلة الثانوية؟ إنه يمثل حاجزًا حقيقيًا أمام التلاميذ القادمين من الأوساط الهشة، الذين لم تتوفر لهم فرصة ممارسة اللغة في محيطهم العائلي.

عقود الشغل: فجوة كبيرة تُحبط الجميع

عائق آخر مهم: سوق الشغل في تونس يعمل بنظام مزدوج.

من جهة، نجد عقود الشغل غير محددة المدة (CDI) التي تُعتبر أشبه بحصون منيعة. فبمجرد دخولك إليها، تكون محميًا بدرجة كبيرة، حيث يصبح تسريح العامل لأسباب اقتصادية أمرًا شديد الصعوبة. لذلك، يتردد أصحاب المؤسسات كثيرًا قبل الانتداب بعقود دائمة.

ومن جهة أخرى، توجد عقود الشغل محددة المدة (CDD)، وهي عقود هشة تفتقر إلى الأمان الوظيفي، ويمكن فسخها في أي وقت. كما يمكن تجديدها إلى حد أقصى يبلغ أربع سنوات.

في ظل هذا الواقع، ما الدافع الذي يجعل المؤسسة تستثمر في تكوين شاب قد يغادر بعد أشهر قليلة؟ وما الذي يدفع الشاب إلى الالتزام في عمل بلا آفاق واضحة؟ هذه الوضعية من عدم الاستقرار تؤثر سلبًا على الإنتاجية.

وهم القطاع العمومي

لا بد أيضًا من التطرق إلى موضوع حساس: الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية. فهي، بفضل الرواتب الأعلى، وضمان الاستقرار الوظيفي شبه المطلق، والمزايا الاجتماعية الجذابة، تمثل حلمًا لكثير من حاملي الشهادات.

لذلك، يفضّل العديد من الشباب التسجيل في صفوف البطالة وانتظار سنوات من أجل فرصة محتملة في القطاع العام، بدل قبول وظيفة في القطاع الخاص بأجر أقل أو بشروط غير مستقرة.

هذا التوجه نحو الانتظار، رغم واقعيته الاجتماعية، يضعف بشكل كبير ثقافة المبادرة داخل المؤسسات ويحدّ من روح المخاطرة، مما ينعكس سلبًا على ديناميكية الاقتصاد ككل.

إذن، ما الحل؟

لا تكتفي منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بتشخيص المشاكل، بل تقترح أيضًا مسارات عملية للخروج من هذا الوضع، وهي ثلاث محاور أساسية.

المحور الأول: إصلاح عميق للمنظومة التربوية

التركيز يجب أن يكون على تحسين الجودة منذ السنوات الأولى من التعليم، مع تعزيز تعلّم اللغات الأجنبية، وإعادة النظر في التكوين المهني ليصبح أكثر جاذبية، ومرتبطًا بشكل مباشر بحاجيات المؤسسات الاقتصادية المحلية.

المحور الثاني: إعادة التوازن لسوق الشغل

من الضروري إعادة التوازن بين أنواع العقود.
فمن جهة، يتم تقليل الحماية المفرطة لعقود الشغل غير محددة المدة (CDI)، عبر السماح بعمليات تسريح لأسباب اقتصادية ضمن إطار قانوني واضح.
ومن جهة أخرى، يجب تعزيز حماية العقود محددة المدة (CDD)، عبر توفير تعويضات وضمانات اجتماعية حقيقية.

الهدف من ذلك هو تقليص الفجوة التي تولّد حالة من عدم الاستقرار في سوق الشغل.

المحور الثالث: جعل القطاع الخاص أكثر جاذبية

يتم ذلك عبر تخفيف الأعباء الجبائية على الأجور المنخفضة لتشجيع التشغيل المهيكل.
كما يُقترح فتح مناظرات الوظيفة العمومية أمام الجميع، بما في ذلك أصحاب الخبرة في القطاع الخاص، واعتماد مبدأ الكفاءة كمعيار أساسي في الانتداب بدل الأقدمية أو الوضعية السابقة.

ورشة إصلاح كبرى… لكنها ضرورية. إن حجم الإصلاحات المطلوبة كبير، لكنه ضروري وحتمي.
لأن قدرة أي بلد على ضمان مستقبل لائـق لشبابه هي ما يحدد في النهاية مستقبل هذا البلد بأكمله.

إيكوتوس

اطّلعوا على الدراسة:

"Études économiques de l'OCDE : Tunisie 2022", الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في أفريل 2022، والمتاحة مجانًا على -oecd.org

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *