في تونس، لا تدفع بعض الشركات دائماً المبالغ الضريبية القانونية المستحقة عليها. تظهر دراسة حديثة أن جودة التدقيق المالي تلعب دوراً أساسياً في جعل الشركات تلتزم بواجباتها الضريبية. لكن كيف يمكن لرقابة جيدة أن تقلل فعلياً من التهرب الضريبي؟ نظرة شاملة على قضية غالباً ما يغفلها الرأي العام.
الضرائب ليست مجرد أرقام؛ فهي تؤثر بعمق على إدارة الشركات واقتصاد الدولة. في تونس، النظام ضرائبي تصريحي: تعلن الشركات عن إيراداتها بنفسها وتقوم بحساب ضرائبها. ومع ذلك، غالباً ما يوجد فرق بين ما يجب أن تدفعه وما تدفعه فعلياً. يسمى هذا الفرق بالتهرب الضريبي، ويقدر في المتوسط بـ 19.2% من الضرائب المستحقة وفق الدراسة الحديثة التي شملت 19 شركة تونسية بين 2013 و2017.
لتقليص هذا الفارق، يعد التدقيق المالي أمراً أساسياً. فالتدقيق الجيد، الذي يُجريه خبراء مستقلون، وخصوصاً مكاتب التدقيق الدولية المعروفة باسم “Big Four” (PricewaterhouseCoopers, Deloitte, Ernst & Young et KPMG)، يمكن أن يؤثر مباشرة على التزام الشركات بواجباتها الضريبية. وتوضح الدراسة أن زيادة الشفافية والرقابة الصارمة تشجع الشركات على الإعلان عن ضرائبها بشكل صحيح.

التدقيق الجيد: أداة لمكافحة التهرب الضريبي.
تُبرز الدراسة أن جودة التدقيق لها تأثير مباشر على سلوك الشركات الضريبي. فالشركات التي تم تدقيقها من قبل أحد مكاتب “Big Four” أو حصلت على رأي تدقيقي مؤهل تميل أكثر للالتزام بالقوانين الضريبية. بعبارة أخرى، كلما كان التدقيق أكثر صرامة، كلما دفعت الشركات ضرائبها بشكل صحيح.
الأرقام توضح الصورة: 47% من الشركات المشمولة بالدراسة كانت تخضع لتدقيق من قبل “Big Four”، بينما حصلت 17.9% فقط على رأي تدقيقي مؤهل، مما يعني أن غالبية التدقيقات لا تزال محدودة النطاق. ومع ذلك، حيث تكون جودة التدقيق مرتفعة، يقل الفرق بين المعدل القانوني والمعدل الفعلي للضرائب، ما يعكس انخفاضاً في التهرب الضريبي.
هذه العلاقة ليست خاصة بتونس فقط؛ فدراسات في أوروبا والولايات المتحدة تُظهر أيضاً أن التدقيق الجيد يشجع الشركات على مزيد من الشفافية في تصريحاتها الضريبية.

العوامل المؤثرة على التهرب الضريبي. بعيداً عن التدقيق، تحدد الدراسة عناصر أخرى تؤثر على التزام الشركات بواجباتها الضريبية:
- مديونية الشركات: كلما كانت الشركة أكثر مديونية، زادت ميلها لتقليل الضرائب. في العينة التونسية، بلغ متوسط مستوى المديونية 76.7%، مما يفسر جزئياً ممارسات التحايل الضريبي.
- عمر الشركة: الشركات الأقدم غالباً ما تكون أقل التزاماً بالمعايير الضريبية، ربما بسبب التقاليد الداخلية أو العادات الراسخة. وكان متوسط العمر في الدراسة 15 سنة.
- أداء الشركة: حتى إذا كانت الشركة مربحة، فهذا لا يعني بالضرورة التزاماً ضريبياً أفضل. وكان متوسط العائد على الأصول 43.87%.
من ناحية أخرى، لم تظهر عوامل أخرى مثل حجم الشركة أو الربحية تأثيراً كبيراً على التهرب الضريبي في هذه الدراسة، مما يؤكد أهمية جودة التدقيق كعامل أساسي.
نحو حوكمة ضريبية أفضل

تظهر هذه الدراسة بوضوح أن التدقيق الجيد في تونس ليس مجرد إجراء شكلي، بل يمثل أداة فعالة لتحسين الامتثال الضريبي. الشركات التي تخضع لرقابة صارمة تدفع ضرائبها بدقة أكبر، مما يقلل التهرب الضريبي. ويمكن لصانعي القرار والمسؤولين في الشركات الاستفادة من هذه النتائج لتعزيز الشفافية المالية وخلق مناخ ثقة مع الإدارة الضريبية.
ليندة سلطاني- باحثة في الاقتصاد والمالية، كلية الحقوق والاقتصاد والتصرف، جامعة جندوبة تونس
الاطلاع على الدراسة
“The Quality Effect of Auditing on Tax Compliance : Evidence from Tunisian Context” a été publiée dans l’International Journal of Economics and Financial Issues.