استعادة صناعتنا لبناء مستقبل أفضل

Khalil Laabidi
6 Min Lire

اذا لو كان تطوير اقتصادنا يبدأ من مصانعنا؟ إن إنعاش الصناعة يعني خلق فرص عمل ودعم الاقتصاد التونسي. فالمصانع والآلات توفر وظائف، ابتكار، وفرصة لتحكم أفضل في مستقبلنا الاقتصادي.

لطالما كانت الصناعة من ركائز الاقتصاد التونسي، مثل: النسيج، الصناعات الغذائية، الكيمياء، الإلكترونيات، وتكنولوجيا المعلومات. هذه القطاعات جلبت استثمارات وخلقّت وظائف وقلّلت اعتماد البلاد على الزراعة.

اليوم، الهدف ليس فقط الإنتاج، بل تطوير الصناعة. فصناعة حديثة ومبتكرة ضرورية لإعادة تنشيط الاقتصاد، خلق وظائف أفضل، تقليل الاعتماد على الواردات، والانفتاح على الأسواق العالمية.

هذا التحديث يمثل أولوية استراتيجية لضمان نمو اقتصادي مستدام وتعزيز سيادة البلاد.

فهم الماضي للتقدم نحو المستقبل

منذ الاستقلال، مرّت تونس بعدة مراحل رئيسية لتطوير صناعتها:

  • الستينياتالثمانينيات: البدايةإنتاج تونسي. الدولة أنشأت مناطق صناعية ووفرت دعم للشركات، مما ساعد على النمو، لكنه أدى أيضًا إلى شركات غير تنافسية.
  • الثمانينيات- 2000: الانفتاح على العالم. تم تقليل الرسوم الجمركية، خصخصة بعض القطاعات، وإنشاء مناطق حرة لجذب الاستثمارات. زادت الصادرات خاصة في النسيج والإلكترونيات.
  • 2000-2020: الانضمام لسلاسل القيمة العالمية. تم تطوير البنية التحتية ودعم البحث العلمي وجذب استثمارات جديدة.
  • منذ 2020: التركيز على الابتكار والاستدامة. تونس تراهن على التحول الرقمي، الطاقة النظيفة، والبحث والتطوير لتحديث الصناعة تقليل استهلاك الطاقة، وتشجيع التعاون بين الشركات والجامعات ومراكز البحث.

لماذا يجب تطوير الصناعة اليوم؟

توجد اليوم عدة عوائق تعرقل تطور القطاع الصناعي في تونس. وهذه الصعوبات، المعروفة جيدًا لدى الفاعلين الاقتصاديين، تفسر لماذا أصبح تحديث الصناعة ضرورة ملحة.

الصناعة تواجه عدة مشاكل:

  • نسيج صناعي متشتت: أغلب الشركات صغيرة أو متوسطة الحجم، وغالبًا ما تكون غير مرتبطة بشكل كافٍ بسلاسل الإنتاج العالمية وتستعمل معدات قديمة.
  • بنية تحتية محدودة: ارتفاع تكلفة الطاقة، ونقص الخدمات اللوجستية الحديثة، إضافة إلى استخدام تقنيات قديمة، كلها عوامل تقلل من القدرة التنافسية.
  • تعطيلات إدارية: الإجراءات طويلة، وبعض القوانين لا تتماشى دائمًا مع احتياجات الشركات.
  • نقص الاستثمار في البحث والابتكار: في غياب تمويل كافٍ، يصعب على الشركات الابتكار والانتقال إلى الرقمنة.

يُضاف إلى ذلك عدد من الصدمات الخارجية مثل ثورة 2011، وجائحة كوفيد-19، والارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية، والتغير المناخي. وقد تعرضت الصناعة التونسية لاضطرابات عديدة بسبب هذه العوامل. ولمواجهة هذه التحديات، يجب أن تصبح أكثر قدرة على الصمود، أي قادرة على التكيف بسرعة مع الأزمات.

لكن هذه التحديات تمثل أيضًا فرصة مهمة لإعادة التفكير في نموذجنا الصناعي.

فوائد تطوير الصناعة

يوفر تحديث الصناعة عدة مزايا مهمة:

  • فرص عمل ذات جودة أفضل: استخدام التكنولوجيا الحديثة يخلق طلبًا على وظائف مؤهلة وأفضل أجرًا، خاصة لفائدة الشباب المتخرجين.
  • إنتاجية أعلى: من خلال إدماج الآلات المؤتمتة، ورقمنة العمليات، أو اعتماد الذكاء الاصطناعي، تستطيع الشركات الإنتاج بشكل أسرع وبجودة أفضل وبتكلفة أقل.
  • زيادة الصادرات: الصناعة الحديثة تكون أكثر قدرة على الاستجابة للمعايير الدولية، مما يفتح أمامها أسواقًا خارجية جديدة.
  • استثمارات أجنبية أكبر: تبحث الشركات الأجنبية عن بلدان تتمتع بصناعة فعّالة ومترابطة ومدعومة بسياسات عمومية واضحة.
  • تقليل الاعتماد على الواردات: من خلال تعزيز الإنتاج المحلي، يمكن لتونس أن تعزز سيادتها الاقتصادية.
  • تقليص الأثر البيئي: اعتماد التقنيات النظيفة، وإعادة التدوير، والاقتصاد الدائري يساعد على التوفيق بين النشاط الصناعي وحماية البيئة.

ما الذي يجب القيام به؟

لكي يصبح تحديث الصناعة واقعًا ملموسًا وليس مجرد طموح، يجب تفعيل عدة إجراءات. وهذه الجهود تشمل الدولة والشركات والجامعات والمستثمرين.

من بين أهم الإجراءات:

  • دعم قوي من الدولة: من خلال القيام بإصلاحات، ووضع إطار قانوني حديث، وتقديم حوافز ضريبية، وتطوير الإدارة، والاستثمار بشكل كبير في البنية التحتية.
  • تمويلات موجهة: مثل الإعفاءات الضريبية، والقروض بفوائد منخفضة، ومنح دعم للابتكار، وذلك لتشجيع الشركات على الاستثمار.
  • تكوين مناسب: لمواكبة هذه التحولات، يجب تدريب العمال على مهارات جديدة مرتبطة بالصناعة 4.0 مثل الأتمتة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات.
  • شراكات بين القطاعين العام والخاص: بما أن القطاع الخاص يمثل محركًا أساسيًا، فمن المهم تسهيل التعاون بينه وبين السلطات العمومية والجامعات والمنظمات الدولية.

رؤية طويلة المدى لصناعة قوية

لن يتحقق تحديث الصناعة في يوم واحد، لكن هناك عدة توجهات يمكن أن تساعد على وضع استراتيجية قوية على المدى الطويل:

  • تطوير تجمعات صناعية متخصصة حول أقطاب تكنولوجية.
  • تشجيع الاقتصاد الدائري الذي يثمّن النفايات ويساهم في تقليل الأثر البيئي.
  • تعزيز التعاون الدولي لتبادل الخبرات والابتكارات.
  • الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التكوين المستمر مدى الحياة.

لماذا يهم هذا كل فرد منا؟

إن تحديث صناعتنا يعني توفير أسس لمستقبل أكثر عدلاً وابتكارًا وسيادة. وهو قرار جماعي يهم كل مواطن، وكل شركة، وكل شاب يريد أن يؤمن بمستقبل أفضل هنا في تونس.

وبالاعتماد على نقاط قوتها – مثل مناطقها الصناعية وخبرتها في قطاعات النسيج والإلكترونيات والميكانيك – يمكن لتونس أن تنجح في هذا التحدي، شرط أن تصبح الصناعة أولوية وطنية حقيقية يلتف حولها الجميع.

خليل العبيدي – مستشار في  الاستثمار وتطوير الأعمال، خبير جبائي

مذكرة تحليل

"إعادة التصنيع في تونس - التحديث والإنعاش"

Partager cet article