عدم ملاءمة المهارات: فهم مفارقة سوق العمل في تونس

7 Min Lire

يشغل ما يقارب خريجًا تونسيًا واحدًا من كل خمسة وظيفة لا تتناسب مع مستوى تعليمه. مؤهَّل أكثر من اللازم لوظيفته، غير مستغلّ بالكامل، وأحيانًا مستسلم للأمر الواقع-هذا ما يسميه الاقتصاديون فرط التأهيل، وهو أكثر من مجرد رقم إحصائي؛ إنه واقع يعيشه آلاف الشباب الذين استثمروا سنوات من الدراسة، ليجدوا أنفسهم في وظائف لا تتطلب كل ذلك.

بعد سنوات من التضحيات والامتحانات والسهر، يُفترض أن يفتح الحصول على شهادة أبواب الفرص. في تونس، قد تفتح الشهادة أبوابًا، لكن ليس بالضرورة الأبواب المناسبة. فقد أظهرت تحليلات مستندة إلى المسح الوطني للسكان والتشغيل لسنة 2013 أنّ نحو 19.8٪ من خريجي التعليم العالي يشغلون وظائف لا تتطلب مستواهم التأهيلي. وهو رقم يخفي تفاوتات أشدّ حدّة حسب القطاعات والتخصصات والجهات.

ولا يُعدّ هذا الظاهرة (فرط التأهيل) قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة لاختيارات هيكلية، وسياسات توجيه غير ملائمة، ونسيج اقتصادي يفتقر إلى التنوّع الكافي. وفهم آلياتها يُعدّ خطوة أولى نحو معالجتها.

شهادة لا تضمن شيئًا بعد اليوم: أرقام مؤلمة

لا يُعدّ فرط التأهيل ظاهرة هامشية. ففي سنة 2013، كان ما يقارب خريجًا واحدًا من كل خمسة في هذه الوضعية. وتتصاعد النسبة بشكل حاد حسب القطاعات: ففي الفلاحة، يشغل 81٪ من الخريجين وظائف دون مستوى تأهيلهم، وفي قطاع البناء والأشغال العامة تبلغ النسبة 57٪، بينما تصل في قطاع التجارة إلى 48.5٪.

وتشترك هذه القطاعات في سمة واحدة: محدودية فرص العمل المؤهَّلة. وبغياب البدائل، يندفع إليها الخريجون—مهندسون، حاملو إجازات، وتقنيون سامون—تفاديًا للبطالة. إذ إنّ البديل غالبًا ما يكون أسوأ؛ فقد بلغ معدل بطالة خريجي التعليم العالي في تونس سنة 2018 نحو 30٪، وهو من أعلى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويزيد عامل السن من حدّة الظاهرة. ففي الفئة العمرية 20–24 سنة، يتجاوز معدل فرط التأهيل 52٪، لينخفض تدريجيًا مع اكتساب الخبرة (37.8٪ بين 25 و29 سنة، و24.8٪ بين 30 و34 سنة)، لكنه يظل حاضرًا طوال المسار المهني. وبالنسبة للشباب، لا يُعدّ فرط التأهيل مرحلة عابرة، بل قد يتحول إلى فخ دائم إذا لم تُعتمد سياسات تصحيحية.

كما يلعب التخصص الدراسي دورًا حاسمًا. إذ يسجّل حاملو شهادة تقني سامٍ أعلى نسبة فرط تأهيل (25.5٪)، يليهم خريجو الاقتصاد والتصرف والقانون (19.1٪)، ثم خريجو الآداب والعلوم الاجتماعية. وفي المقابل، تبدو أوضاع المهندسين والأطباء أفضل بكثير، نظرًا لخصوصية تخصصاتهم وندرتها النسبية.

ما الذي يحدد مستوى المخاطر؟ الملف الشخصي، نوع العقد، والجهة

لا يصيب فرط التأهيل جميع الخريجين بنفس الدرجة. فقد مكّن تحليل اقتصاد قياسي دقيق-يجمع بين الخصائص الفردية وخصائص الوظائف-من تحديد الفئات الأكثر عرضة لهذه الظاهرة.

يلعب الوضع العائلي دورًا غالبًا ما يتم إغفاله. إذ ترتفع احتمالية فرط التأهيل لدى المتزوجين مقارنة بالعازبين. ويُفسَّر ذلك جزئيًا بقيود البحث المزدوج عن العمل داخل الأسرة؛ فعندما ينجح أحد الزوجين في تحسين وضعه المهني (غالبًا الرجل)، يضطر الطرف الآخر إلى قبول وظيفة أقل ملاءمة لمؤهلاته من أجل البقاء في نفس المنطقة الجغرافية.

كما يُعدّ نوع العقد عاملًا حاسمًا. فالعاملون بعقود دائمة (CDI) أقل عرضة بكثير لفرط التأهيل مقارنة بمن يعملون بعقود محددة المدة (CDD) أو في القطاع غير المنظم دون عقود. فالهشاشة وعدم الاستقرار الوظيفي يدفعان الأفراد إلى قبول أي فرصة متاحة، على أمل تحسين الوضع لاحقًا.

أما العامل الجغرافي، فيُضاعف من حدة الظاهرة. ففي الولايات ذات النسيج الصناعي الضعيف (مثل قبلي، سيدي بوزيد، قفصة، وتوزر)، يتجه الخريجون بكثافة نحو قطاعات قليلة التأهيل كالفلاحة. وفي المقابل، تتركز فرص العمل في الولايات الساحلية (تونس، بن عروس، أريانة، سوسة، صفاقس) في قطاعات مثل التجارة والبناء، وهي أيضًا قطاعات ترتفع فيها نسب فرط التأهيل. وبذلك، يحدد سوق العمل الجهوي بشكل مباشر آفاق كل خريج، بغضّ النظر عن تكوينه.

الخروج من الفخ: ماذا يمكن أن تفعل السياسات العمومية؟

لا يُعدّ فرط التأهيل قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة لاختلالات واضحة يمكن تحديدها ومعالجتها، شرط التدخل على عدة مستويات في آن واحد.

أول هذه الإشكالات يتعلق بالتوجيه الجامعي. فالنظام الحالي يوجّه الطلبة أساسًا وفق نتائجهم في البكالوريا، دون اعتبار كافٍ لحاجيات سوق العمل. والنتيجة هي اكتظاظ كبير في اختصاصات مثل الاقتصاد، والتصرف، والقانون، والعلوم الاجتماعية، ما يؤدي إلى تضخّم في عدد الشهادات التي لا يستطيع السوق استيعابها. ويُعدّ إصلاح منظومة التوجيه، عبر إدماج معايير مرتبطة بفرص التشغيل الفعلية، خطوة أساسية نحو التغيير.

أما التحدي الثاني فهو هيكلي. إذ لا يخلق الاقتصاد التونسي ما يكفي من فرص العمل المؤهلة. ولا تزال القطاعات كثيفة المعرفة—مثل الصناعة الصيدلانية، والأنشطة المالية، والاتصالات، والصناعات الميكانيكية والكهربائية، وخدمات الأعمال—دون المستوى المطلوب من التطور. ومن شأن توجيه الاستثمارات نحو هذه المجالات أن يوفّر وظائف أكثر ملاءمة لمؤهلات الخريجين.

ويُضاف إلى ذلك عامل ثالث يتمثل في نقص المعلومات. فالتصنيف الوطني للمهن لا يزال عامًا أكثر من اللازم، ما يحدّ من فعاليته في توجيه الاختيارات التعليمية أو قرارات التوظيف. ومن شأن تحديث هذا المرجع، وتعزيز قدرات مؤسسات التشغيل العمومية—من خلال إدماج خبراء فعليين في الإرشاد والتوجيه—أن يُسهم في تحسين الانتقال من الدراسة إلى العمل.

يمثّل فرط التأهيل عرضًا لاختلال عميق بين مخرجات المنظومة التعليمية وقدرة النسيج الاقتصادي على استيعابها. وبالنسبة للشباب التونسي، يترجم ذلك إلى خسارة حقيقية في الدخل، والدافعية، والآفاق. أما بالنسبة للاقتصاد الوطني، فهو هدر كبير في رأس المال البشري.

ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا منسّقًا: إصلاح التوجيه الجامعي، تنويع الاقتصاد نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، وتحسين آليات الوساطة في سوق العمل. فلا ينبغي أن تكون الشهادة بوابة للإحباط، بل يجب أن تظلّ كما وُجدت لتكون: وعدًا بالمستقبل.

وجدي كثيري- دكتور في الاقتصاد، خبير اقتصادي رئيسي، المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (ITCEQ)، تونس 

للاطّلاع على ورقة العمل

"فرط التأهيل في سوق العمل التونسي: الخصائص والمحددات"، إعداد وجدي كثيري، ورقة عمل EMNES عدد 22، أفريل 2019، متاحة على: www.emnes.org

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *