يزرعن ويحصدن ويزلن الأعشاب الضارة ويساهمن يوميا في سير الضيعات الفلاحية التونسية. ومع ذلك، لا يزال عملهن غير مرئي إلى حد كبير. فضعف الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية، وخطورة وسائل النقل، وظروف العمل الهشة، تشكل جزءا من واقع آلاف العاملات الفلاحيات. وتقدم مذكرة تفكير نُشرت سنة 2026 جملة من المقترحات العملية للاعتراف بدورهن بشكل أفضل وتحسين ظروف عيشهن بصورة مستدامة.
غير أن الصعوبات التي تواجهها هؤلاء النساء تتجاوز بكثير مسألة النقل. فهي تشمل أيضا النفاذ إلى الحماية الاجتماعية، وظروف العمل، والأجور، بل وتمتد إلى مسألة الاعتراف نفسها بصفتهن المهنية. وبعيدا عن البعد الاجتماعي، تطرح هذه الوضعية أيضا مسألة اقتصادية. فظروف العمل الصعبة في القطاع الفلاحي تدفع العديد من الشابات إلى الابتعاد عنه، والبحث عن فرص عمل في المصانع أو في المناطق الحضرية. وعلى المدى البعيد، قد يؤدي هذا التحول إلى إضعاف القطاع الفلاحي التونسي برمته.
عمل أساسي لكنه لا يزال هشا للغاية
تعمل غالبية العاملات الفلاحيات في إطار غير رسمي. ووفقا لدراسة أُشير إليها في المذكرة، تعمل نحو 75% منهن دون عقود عمل، في حين لا تستفيد 92% منهن من أي انخراط في نظام للضمان الاجتماعي. وتعود هذه الوضعية إلى عدة عوامل. فالعمل الزراعي غالبا ما يكون موسميا، والمداخيل غير منتظمة، كما تعمل العاملات في كثير من الأحيان لدى عدة مستغلين خلال الموسم نفسه. ولذلك تبدو الإجراءات الإدارية معقدة وغير ملائمة لواقعهن. وبالنسبة إلى كثير منهن، تمثل المساهمة في نظام للضمان الاجتماعي تكلفة يصعب تحملها. بل إن بعضهن يخشين فقدان أشكال أخرى من المساعدات الاجتماعية التي يستفدن منها. والنتيجة أن عددا كبيرا من النساء يبلغن سن التقاعد دون أن يكن قد سددن اشتراكات كافية للحصول على جراية تقاعدية. كما يمثل ضعف الاعتراف المؤسسي عائقا رئيسيا آخر. فالعاملات الزراعيات لا يتمتعن اليوم بوضع مهني محدد بوضوح، مما يحد من حضورهن في السياسات العمومية ويعقد حصولهن على بعض الحقوق.

مخاطر يومية على الطرق وفي الحقول
تظل مسألة النقل أحد أبرز مظاهر هذا الهشاشة. ففي العديد من المناطق، لا تزال العاملات ينقلن بواسطة شاحنات صغيرة أو سيارات “بيك آب” لا تستجيب للحد الأدنى من معايير السلامة. ورغم اعتماد عدة نصوص تشريعية خلال السنوات الأخيرة لتنظيم نقل العمال الزراعيين وإحداث خدمات ملائمة، فإن تطبيقها على أرض الواقع لا يزال محدودا. وقد أكد المشاركون في ورشة عمل نظمت في باجة سنة 2026، على وجه الخصوص، غياب ناقلين يعملون فعليا وفقا للآليات التي تنص عليها التشريعات.
ولا تتوقف الصعوبات عند التنقل. ففي الضيعات، تعمل العاملات في كثير من الأحيان دون معدات حماية ملائمة. فنادرا ما يتم توفير القفازات أو الأحذية الواقية أو الأقنعة أو ملابس السلامة. وتصبح هذه الوضعية أكثر إثارة للقلق عند التعامل مع المواد الكيميائية الزراعية، التي قد تعرض العاملات لمخاطر صحية مهمة.
ويضاف إلى ذلك ضعف القدرة على التفاوض. إذ تلجأ العاملات عادة إلى وسطاء للعثور على فرص العمل، مما يقلص قدرتهن على التفاوض بشأن ظروف التشغيل أو الأجور. وفي بعض المناطق التي شملتها الدراسة، تراوحت الأجور المسجلة بين 10 و20 دينارا في اليوم، وكانت في بعض الحالات أقل من الأجر الأدنى الفلاحي المضمون.

الاعتراف بالعاملات الفلاحيات لبناء المستقبل
في مواجهة هذا الوضع، تقترح مذكرة التفكير “العاملات الزراعيات: إعادة التفكير في العمل الفلاحي النسائي من أجل تنمية ريفية مستدامة وشاملة“ مجموعة من مسارات العمل المتكاملة. وقد أُعدت هذه المذكرة في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026)، بمبادرة من APEDDUB وINRAT ومكتب دعم المرأة الريفية والمندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية في سليانة وباجة وCirad.
ويتمثل المسار الأول في إحداث وضع مهني رسمي وواضح للعاملات الفلاحيات. ويمكن لبطاقة مهنية أن تتيح التعريف بهن إداريا، وتسهيل النفاذ إلى بعض الخدمات، وتعزيز الاعتراف بهن ضمن السياسات العمومية. أما الأولوية الثانية فتتعلق بالحماية الاجتماعية. ويؤكد أصحاب المذكرة ضرورة وضع نظام أكثر ملاءمة لخصوصيات العمل الفلاحي النسائي. وينبغي أن تراعي آليات المساهمة عدم انتظام المداخيل، وكذلك واقع عمل العاملات في كثير من الأحيان لدى عدة مشغلين مختلفين. ويمثل تحسين ظروف العمل بدوره رهانا أساسيا. ويتطلب ذلك التطبيق الفعلي للأجر الأدنى الفلاحي المضمون، وتعزيز مراقبة احترام قانون الشغل، وتعميم معدات الحماية.
وتبرز مسألة تأمين النقل أخيرا كأولوية عاجلة. ويوصي أصحاب المذكرة، خصوصا، بتعزيز الحوافز الموجهة إلى الناقلين، وتكييف الآليات بشكل أفضل مع الواقع الريفي، وتحسين البنية التحتية تدريجيا، ولا سيما المسالك الفلاحية. وإلى جانب هذه الإجراءات، تؤكد المذكرة أهمية التنظيم الجماعي للعاملات الزراعيات. فمن شأن الهياكل المحلية أو المجموعات أو المنظمات المهنية أن تعزز قدرتهن على التفاوض، وتسهل حصولهن على المعلومات، وتساهم في تحسين الدفاع عن حقوقهن. كما يتطلب التحسين المستدام لوضعهن تنسيقا قويا بين مختلف الجهات العمومية المعنية. وينبغي أن تعمل قطاعات الفلاحة والشؤون الاجتماعية والمرأة والتنمية الجهوية بصورة متكاملة من أجل بناء استراتيجية منسجمة ومستدامة. ولا تقتصر قضية العاملات الفلاحيات، بالتالي، على الجانب الاجتماعي وحده. فهي ترتبط أيضا بمستقبل القطاع الفلاحي التونسي. فمساهمتهن في الإنتاج أساسية، لكن هشاشة أوضاعهن تضعف جاذبية القطاع وقدرته على الحفاظ على هذه اليد العاملة في المناطق الريفية.
ايكوتوس
للاطلاع على مذكرة التفكير
"العاملات الفلاحيات: إعادة التفكير في العمل الفلاحي النسائي من أجل تنمية ريفية مستدامة وشاملة"، أُنجزت في إطار مشروع تمكين النساء الريفيات (2025-2026)، الذي تتولاه APEDDUB - الجمعية من أجل حماية البيئة والتنمية المستدامة ببنزرت، وINRAT - المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس، ومكتب دعم المرأة الريفية، والمندوبيتان الجهويتان للتنمية الفلاحية في سليانة وباجة، و**Cirad - المركز الفرنسي للتعاون الدولي في مجال البحث الزراعي من أجل التنمية**، بدعم من برنامج Savoirs Éco، الممول من الاتحاد الأوروبي والمنفذ من قبل Expertise France.