التفاوتات في تونس: عندما تتحسن الأرقام، لكن لا يتحسن الواقع المعيشي

5 Min Lire

قد شهدت تونس على مدى الثلاثين عامًا الماضية تحسنًا ملموسًا في توزيع الدخل. ومع ذلك، لا يزال الشعور بالظلم الاجتماعي قويًا، مدفوعًا بانقسامات إقليمية واجتماعية عميقة. وراء «لغز التفاوتات التونسية» هذا، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا: حقيقة بلد لا يتوافق فيه الاستقرار الإحصائي دائمًا مع العدالة التي يعيشها الناس.

منذ ثورة عام 2011، أصبحت مسألة التفاوتات في صميم النقاش العام في تونس. وهي لا تقتصر على مجرد أرقام، بل تمس التماسك الاجتماعي والكرامة والثقة في المؤسسات. يحلل المقال الذي نشرته الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) في سلسلة أوراقها البحثية (رقم 144، أوت 2020) بعمق التفاوتات النقدية وغير النقدية في البلاد. يستكشف مؤلفوه، منجي بوغزالة، وعبد الرحمن اللاغة، وإيناس بوعصيدة، ومنذر الفرجاني، أسبابها وديناميتها وسبل معالجتها. وتثير استنتاجاتهم الانتباه: فقد انخفضت التفاوتات في الدخل منذ الثمانينيات، لكن التفاوتات بين المناطق والتفاوتات في الفرص لا تزال كبيرة.

التفاوتات تتضاءل… لكن الشعور بالظلم لا يزال قائماً

تُظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء اتجاهاً واضحاً: فقد انخفض مؤشر جيني، الذي يقيس الفوارق في الدخل، من 43% سنة 1985 إلى 33% سنة 2015.

بعبارة أخرى، تُعد تونس من بين الدول الأقل تفاوتًا في العالم العربي، بل إنها أقل من متوسط بعض الدول المتقدمة. لكن كيف يمكن تفسير شعور التونسيين بالعكس؟ يشير الباحثون إلى ”لغز التفاوتات“: تُظهر الإحصاءات تحسّنًا، لكن التصور الشعبي هو لمجتمع متجمد، حيث لا تكفي الجهود الفردية للتقدم. يذكر البحث أن التفاوتات لا تقتصر على الدخل: فهي تمس أيضًا التعليم والتوظيف والصحة والوصول إلى الخدمات العامة. وهنا تكمن المفارقة: فقد حسّنت تونس المتوسط، لكن دون محو الفوارق بين الطبقات والمناطق

أثر المنطقة الجغرافية والأصول الاجتماعية

الأرقام لا تقبل الجدل: ينفق سكان منطقة تونس في المتوسط ضعف ما ينفقه سكان المنطقة الوسطى الغربية. تتركز غالبية الوظائف الرسمية والخدمات العامة في المناطق الساحلية، التي تتمتع بشبكات مواصلات أفضل وتتميز بدرجة أعلى من التصنيع، في حين أن المناطق الغربية لا تزال متخلفة عن الركب.

يعكس هذا الانقسام الإقليمي عدم المساواة في الفرص: فالأطفال والشباب والنساء من المناطق الريفية أو المحرومة يواجهون صعوبة أكبر في الحصول على تعليم جيد ووظيفة مستقرة.

ويذكر المؤلفون أيضًا أن التفاوتات” الظالمة“؛ تلك المرتبطة بالمزايا الأولية، مثل الأسرة أو الوسط الاجتماعي أو منطقة الميلاد؛ هي الأكثر تدميرًا.

فهي تغذي حلقة مفرغة تنتقل فيها الفقر من جيل إلى آخر.

على سبيل المثال، لا يتجاوز 40% من أطفال الآباء ذوي المستوى التعليمي المتدني المرحلة الثانوية، في حين يلتحق ثلثا أطفال الخريجين بالجامعة.

من أجل تنمية أكثر إنصافاً: سياسات تحتاج إلى إعادة النظر

إن تراجع التفاوتات في الدخل يعزى جزئياً إلى النمو الاقتصادي المطرد الذي شهدته الفترة بين 1990 و2008 (ما يقارب 5% سنوياً)، وانخفاض معدلات الخصوبة، وارتفاع مستوى التعليم.

لكن ثورة عام 2011 ذكّرتنا بأن النمو وحده لا يكفي لضمان العدالة الاجتماعية.

لذلك، تدعو دراسة الوكالة الفرنسية للتنمية إلى إعادة النظر في السياسات العامة حول ثلاثة محاور:

  • نمو أكثر شمولاً، يوفر فرص عمل جيدة للشباب، بما في ذلك في المناطق الداخلية.
  • نظام ضريبي أكثر إعادة توزيعًّا، قادر على تصحيح التفاوتات في الثروة ودعم الأسر ذات الدخل المحدود.
  • استثمارات عادلة في الخدمات العامة الأساسية (الصحة، التعليم، النقل) لضمان حصول جميع التونسيين على فرص متساوية للنجاح، بغض النظر عن مكان ولادتهم.

لأن الأمر في جوهره يتعلق بالتماسك الاجتماعي: فبدون الشعور بالعدالة، لا يمكن لأي مجتمع أن يتطلع بثقة إلى المستقبل.

تشكل أوجه التفاوت في تونس مفارقة: فهي تتضاءل على الورق، لكنها لا تزال قائمة في الحياة اليومية. وهي تذكرنا بأن التقدم الإحصائي لا يحل محل الواقع المعاش، وأن العدالة الاجتماعية تظل مشروعًا دائمًا.

ايكوتوس

اطلع على ورقة البحث

أوجه التفاوت في تونس“، ورقة بحثية رقم 144، الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، أغسطس 2020"، من إعداد منجي بوغزالة، جامعة تونس المنار، وعبد الرحمن اللاغة، وإيناس بوعصيدة، ومنذر الفرجاني، كلية العلوم الاقتصادية والإدارية في تونس، جامعة تونس.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *