الأزمة الليبية والحوكمة التونسية: التحديات الأمنية والإقليمية

5 Min Lire

تمر ليبيا منذ أكثر من عشر سنوات بأزمة عميقة، تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقليمي. هذه الفوضى الممتدة تُضعف البلاد، وتهدد أمن تونس، وتلقي بظلالها على كامل المنطقة.

بعد سقوط معمر القذافي في 2011، تكافح ليبيا لاستعادة نظام مستقر. لا تزال المؤسسات مشوشة، والسلطة محل نزاع، والأراضي مقسمة. وفقًا لمذكرة صادرة عن IACE و Fondation Friedrich Naumann للحرية (FNF)، فإن هذا عدم الاستقرار له تداعيات مباشرة على الدول المجاورة، لا سيما تونس، ويخلق بيئة ملائمة للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية. لفهم تعقيدات الأزمة الليبية، يجب دراسة الانقسامات التاريخية، و نقاط الضعف الداخلية، والتبعات الإقليمية.

بلد مجزأ على جميع الأصعدة
ليبيا مبنية تاريخيًا حول ثلاث مناطق رئيسية: طرابلسية في الغرب، متجهة نحو تونس؛ برقة في الشرق، مرتبطة تاريخيًا بمصر؛ وفزان في الجنوب، على تماس مع منطقة الساحل. هذه الأراضي الشاسعة، مفصولة بصحاري واسعة، لم تتوحد أبدًا بالكامل ، مما يعزز الانقسامات الداخلية.

المجتمع الليبي، المتسم بالانتماءات القبلية القوية والتي تفتت بعد 2011، مع ظهور العديد من الجماعات المسلحة المنظمة حول هويات محلية أو إقليمية. اما اختفاء الدولة المركزية فقذ أتاح ظهور ميليشيات متعددة، كل منها يسيطر على جزء من الأراضي.

و البلاد اليوم مقسمة ، بين سلطة رئيسية في غرب ليبيا: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المدعومة من تركيا وقطر، ومعسكر المشير خليفة حفتر في الشرق، المدعوم من مصر والإمارات وروسيا. لكن السلطة الفعلية غالبًا ما تبقى بيد فاعلين محليين يتنافسون على السيطرة على المدن والطرق ومرافئ النفط.

يشمل هذا الانقسام السياسة والمؤسسات والمجتمع والأراضي وغياب مشروع وطني موحد لإعادة الإعمار يمنع أي مخرج من الأزمة، رغم جهود الوساطة المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات.

مرتع خصب للجماعات المتطرفة

أدى الفراغ السياسي إلى تمكين الجماعات الجهادية من التمركز في ليبيا. منذ التسعينيات، بدأت الحركات الإسلامية الراديكالية بالظهور، لكن نفوذها تعزز بعد عام 2011. استقرت جماعتي القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة بشكل دائم في بعض المناطق، بينما حاول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التوسع داخل البلاد.

بين 2015 و2017، حاول داعش السيطرة على مدينة سرت، مستعينًا بمقاتلين قدموا من عدة دول. وقد حدّت الطبيعة القبلية والمتحالفات المحلية الهشة من تأثيره. وحرمانه من الدعم المحلي وغياب سيطرته على عوائد النفط أدى إلى صدّه، لكنه لا يزال نشطًا في المناطق الصحراوية الجنوبية، متصلًا بشبكات الجهاد في منطقة الساحل.

يصبح الفزان، الصحراوي قليل السكان نقطة استراتيجية تسمح بتوسيع الشبكات نحو مالي والنيجر ونيجيريا. وهكذا تتحول ليبيا إلى مفترق طرق للجماعات المسلحة والتهريب وحركة المقاتلين.

تهديد مباشر لتونس

وفقًا لمذكرة IACE وFNF، تشكل الأزمة الليبية خطرًا ملموسًا على تونس. فالحدود الطويلة المشتركة صعبة التأمين بسبب التضاريس وطبيعة العلاقة التاريخية المرنة بين المجتمعين. وقد تم التخطيط لعدة هجمات إرهابية على الأراضي التونسية انطلاقًا من ليبيا، كما تم تجنيد شبان تونسيين من قبل شبكات متطرفة.

لقد أبرزت هجمات 2015 في متحف باردو وسوسة هذه الثغرات الأمنية، بينما أظهر رحيل مئات الشباب نحو مناطق النزاع التأثير المباشر للأزمة الليبية على المجتمع التونسي. وحتى اليوم، يبقى خطر التسلل وتهريب الأسلحة أو زعزعة الاستقرار الاجتماعي قائمًا. وليس الخطر أمنيًا فقط، بل اقتصادي أيضًا، إذ تؤثر شبكات التهريب على الاقتصاد التونسي، خاصة في المناطق الحدودية، ويعيق انهيار الدولة الليبية التجارة والتعاون الاقتصادي المنظم.

أهمية إقليمية ودولية
تتجاوز الأزمة الليبية حدودها الجغرافية، إذ تؤثر على المغرب الكبير، منطقة الساحل، وحتى أوروبا. دعم القوى الأجنبية لأطراف النزاع المختلفة يغذي الصراع: تركيا وقطر وروسيا ومصر والإمارات لكل منها مصالح استراتيجية، خصوصًا فيما يتعلق بعوائد النفط.

تقع ليبيا أيضًا في قلب احداث وتحديات جيوسياسية أوسع نطاقًا: السيطرة على تدفقات الهجرة، الموارد الطبيعية، ومكافحة الإرهاب. ويُسهّل غياب دولة مستقرة عمل الشبكات الإجرامية التي تنظم تهريب الأسلحة والبشر والمخدرات.

وفي مواجهة هذا الوضع، يتعين على الدول المجاورة تعزيز تعاونها. فلتونس، الجزائر، ودول الساحل مصلحة في توحيد جهودها. ولا يُقصد بذلك التدخل، بل الوقاية: إذ أن استقرار ليبيا يصب في مصلحة الجميع.

IACE – المعهد العربي لرؤساء المؤسسات
 FNF –مؤسسة فريدريش ناومان للحرية

للاطلاع على المذكرة

“مقدمة في البيئة الجيوسياسية لتونس”، أعدها IACE بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان للحرية (FNF)."

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *