قانون الصرف في تونس: ما يجب أن يفهمه التونسيون قبل الإصلاح

تستعد تونس لإعادة كتابة أحد القوانين الأساسية في اقتصادها: قانون الصرف. هذا النص، الذي يحدد كيف يمكن للأموال أن تدخل أو تخرج من البلاد، قد يشهد قريبًا تغييرات عميقة. الهدف: فتح الاقتصاد أكثر أمام العالم، مع تجنب المساس بالمالية العامة التي تعاني أصلاً من ضغوط.

يعد قانون الصرف في البلاد بمثابة النظام الداخلي للمنزل: فهو يحدد كيفية استخدام تونس للعملات الأجنبية (مثل اليورو أو الدولار)، وينظم تداولها ويضبط التحويلات الدولية. منذ أواخر الثمانينيات، وعلى الرغم من انفتاح التجارة، بقيت القواعد المتعلقة بالعملات الأجنبية صارمة.

في مارس 2024، اعتمدت الحكومة مشروع قانون صرف جديد وطموح، لا يزال في انتظار التصويت عليه من قبل البرلمان. يهدف هذا الإصلاح إلى تيسير الأعمال، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتمكين الشركات التونسية من الانخراط بحرية أكبر على الصعيد الدولي. ومع ذلك، يجب أن يحرص على الحفاظ على احتياطات العملة الأجنبية وضمان استدامة الدين العام، الذي يشكل عبئًا ثقيلًا في ظل وضع اقتصادي هش.

يتم إعادة التفكير في قانون الصرف من أجل عالم منفتح

تم سن أول قانون للصرف في تونس سنة 1976، وكان يفرض قيودًا صارمة: كل عملية بالعملات الأجنبية تتطلب الحصول على ترخيص من البنك المركزي. وكانت حيازة العملات الأجنبية من قبل المقيمين والتحويلات إلى الخارج خاضعة لإشراف دقيق جدًا.

مع مرور الوقت، تم إدخال بعض التخفيفات، أبرزها:

  • في 1993، تم توسيع قابلية تحويل الدينار لتشمل التبادلات التجارية وبعض الاستثمارات.
  • بعد سنة 2011، شجعت بعض الإجراءات جزئيًا دخول المستثمرين الأجانب ودعمت الشركات الناشئة.
  • من 2016  إلى 2021، استفادت الشركات الناشئة والمبتكرة من مزيد من الحرية في حيازة العملات الأجنبية والاستثمار في الخارج.

أما مشروع سنة 2024، فيذهب أبعد من ذلك:

  • مزيد من الحرية في التعامل بالعملات الأجنبية، مع إمكانية تحديد بعض الحدود.
  • استثمارات أجنبية في تونس دون الحاجة إلى ترخيص مسبق.
  • حرية للشركات التونسية في الاستثمار أو الاقتراض بالخارج.
  • السماح ببعض استخدامات العملات الرقمية، مع إلزامية التصريح بها وإعادة تحويل الأرباح إلى الداخل.
  • إمكانية الوصول إلى منصات مثل PayPal لتلقي المدفوعات المتعلقة بالتصدير.

تجعل هذه الإجراءات الأعمال التجارية أبسط وأكثر جاذبية، لكنها تزيد أيضًا من المخاطر إذا لم تُراقب بشكل جيد.

تحرير السوقتحت رقابة صارمة

لفهم المخاطر، يجب تخيّل أن احتياطيات العملة الأجنبية تشبه حساب التوفير الخاص بالدولة. تُستخدم هذه الأموال لدفع الديون الخارجية وشراء ما لا تنتجه تونس (مثل بعض الأدوية أو الوقود).

إذا خرجت مبالغ كبيرة من المال من البلاد، فإن “الحساب” يُفرغ ويصبح من الصعب دفع الفواتير.

قد يؤدي القانون الجديد إلى:

  • تقليص الاحتياطيات إذا أعادت الشركات الأجنبية بسرعة أرباحها إلى الخارج.
  • زيادة خروج العملات الأجنبية بسبب استثمارات الشركات التونسية في الخارج.
  • رفع مخاطر الدين بالعملات الأجنبية إذا تكاثرت القروض الدولية.
  • دعم الاحتياطيات من خلال إلزامية إعادة تحويل عائدات التصدير والأرباح الناتجة عن العملات الرقمية.

الأمر كله إذًا مسألة توازن: الكثير من السيطرة قد يعيق النمو، والكثير من الحرية قد يضعف المالية العامة للدولة.

الدروس المستفادة من الإصلاحات في الخارج

لقد قامت عدة دول بالفعل بإصلاح قوانين الصرف الخاصة بها، كل منها بأسلوبها ونتائجها الخاصة:

  • الهند: في التسعينيات، اختارت الهند فتح تدفقاتها المالية تدريجيًا جدًا، مع الاحتفاظ بضوابط على التحركات الكبيرة لرؤوس الأموال. هذه الحذرية سمحت بجذب المستثمرين الأجانب مع تفادي الأزمات المالية. هذا مثال يوضح أن البطء أحيانًا يحمي الاقتصاد.
  • تركيا: في العقد الأول من الألفية، حرّرت تركيا قانون الصرف بسرعة. شهدت السنوات الأولى نموًا قويًا، لكن هذا الانفتاح المفاجئ أدى أيضًا إلى زيادة الديون بالعملات الأجنبية. وعندما صارت الظروف الدولية أصعب، تعرضت البلاد لأزمة في الدرس هنا: الانفتاح السريع يمكن أن يكون محفوفًا بالمخاطر إذا لم يرافقه حماية كافية.
  • تشيلي: فتحت هذه الدولة اقتصادها مع فرض إجراءات أمان، مثل إلزام بعض رؤوس الأموال الأجنبية بالبقاء مستثمرة لفترة معينة. سمحت هذه الاستراتيجية لتشيلي بأن تكون جذابة مع تجنب خروج ضخم لرؤوس الأموال على المدى القصير.
  • المغرب: منذ 2018، اعتمد المغرب نظام صرف أكثر مرونة، مع توسيع هامش تقلب عملته. ومن خلال التدرج في الإصلاح، عزز قدرته على مقاومة الصدمات الاقتصادية الدولية، مع الاستمرار في جذب المستثمرين.
  • مصر: في 2016، سمح البلد لعملته بالتقلب بحرية في إطار برنامج مع صندوق النقد الدولي. هذا سمح بجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الاحتياطيات بالعملات الأجنبية. لكن المقابل كان ارتفاعًا كبيرًا في التضخم وزيادة تكلفة سداد الدين بالعملات الأجنبية.

تُظهر هذه التجارب أنه لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع. يجب على كل دولة ضبط سرعة وحجم الإصلاح وفقًا لسياقها الاقتصادي، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على تنظيم التدفقات المالية. بالنسبة لتونس، يعني ذلك التقدم بحذر، مع إعداد شبكات حماية.

كيف يمكن إنجاح الإصلاح؟

لمرافقة الإصلاح والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، تتضح عدة أولويات:

  • تحسين المالية العامة من خلال توسيع القاعدة الضريبية وجعلها أكثر عدالة، وتعزيز مكافحة التهرب الضريبي، وضبط النفقات العمومية.
  • تحفيز النمو الاقتصادي عبر تشجيع الاستثمار الخاص والأجنبي، ودعم الابتكار والشركات الناشئة، وتطوير فرص العمل.
  • تعزيز المؤسسات المسؤولة عن الإدارة المالية من خلال تزويدها بالمزيد من الوسائل والكفاءات، وضمان الشفافية والحكامة الجيدة.
  • متابعة دقيقة للإصلاح لمراقبة تأثيراته على احتياطيات العملة الأجنبية والدين العام، وتعديل السياسات وفقًا لذلك.

يجب أن يرتكز إصلاح قانون الصرف على خطة قوية تضمن أمن المالية العامة ومتابعة مستمرة للوضع الاقتصادي. فالانفتاح المنضبط يمكن أن يحفز الاقتصاد ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية، بينما الإدارة غير الكافية قد تُضعف الدولة، خاصة بالنظر إلى محدودية الاحتياطيات ومستوى الدين.

FNF – مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية

 

الاطلاع على منشور FNF

“La Réforme du Code de Change en Tunisie : Libéralisation sous Contrainte de Soutenabilité de la Dette”,من إعداد: زهير بوشداخ، أستاذ اقتصاد، ومحمد بن عبد الله، أستاذ محاضر في الاقتصاد، بكلية العلوم؛ عضو مختبر التكامل الاقتصادي الدولي (LIEI)، جامعة تونس المنار.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *