مؤسسات رابحة ولكن في وضعية دفاع. هذا هو التناقض الذي يعيشه اليوم مسيّرو المؤسسات في تونس. فقد كشفت دراسة أُجريت على عيّنة من نحو خمسين رئيسًا تنفيذيًا عن وجود قدرة حقيقية على الصمود، مقابل تحوّل اقتصادي متعثّر، لا بسبب غياب الإرادة، بل نتيجة فائض من عدم اليقين.
رئيس مؤسسة يعرف إلى أين يريد الوصول، لكنه لا يجرؤ على التسريع. ليس لأن الطريق غير ممهدة، بل لأنه لا يعلم إن كانت قواعد اللعبة ستظلّ نفسها في الغد القريب. هذه الصورة تعكس واقع العديد من القيادات الاقتصادية التونسية في سنة 2025.
في تلك السنة، قام المعهد العربي لرؤساء المؤسسات باستطلاع آراء حوالي خمسين رئيسًا تنفيذيًا يمثّلون أبرز الشركات في البلاد، من مختلف القطاعات. وجاءت النتائج متوازنة: نعم، المؤسسات التونسية قادرة على الصمود، لكن هذا الصمود له كلفة، تتمثّل في تأجيل الابتكار، وتعليق النمو، وغموض الأفق الاقتصادي الذي يتأخر في التبلور.ولفهم هذا التناقض، لا بدّ من التعمّق في كيفية توظيف هؤلاء القادة لمواردهم المالية، والعوائق التي تحدّ من قراراتهم، والتغييرات الضرورية لتجاوز هذا الوضع.

ستّ شركات من أصل عشر تحقق أهدافها… وماذا بعد؟
قد يبدو الرقم مطمئنًا: إذ تُصرّح 62% من الشركات المستجوبة بأنها حقّقت أهدافها من حيث الربحية سنة 2024. وبعبارة أخرى، تمكّنت أكثر من نصف الشركات الكبرى في تونس من الحفاظ على نتائجها رغم صعوبة الظرف. ولا شكّ أنّ ذلك يُعدّ مؤشرًا إيجابيًا ودليلًا على صلابة تشغيلية حقيقية.
غير أنّ وراء هذا الرقم واقعًا أقلّ إشراقًا. فتحقيق أهداف الربحية لا يعني بالضرورة الابتكار أو التوسّع أو الاستعداد للمستقبل. ويؤكّد الرؤساء التنفيذيون المستجوبون أنّ استثماراتهم تُوجَّه أساسًا إلى تعويض التجهيزات المتقادمة (46% من النفقات)، ثم إلى توسيع الأنشطة القائمة (33%). أمّا ما يُخصّص للابتكار فلا يتجاوز 12%، ولتنويع الأنشطة لا يكاد يبلغ 9%.
وبعبارة واضحة: تنجح المؤسسات التونسية في الصمود، لكنها لا تتقدّم. فهي تعزّز أسسها بدل بناء آفاق جديدة. ولا يعود السبب الرئيسي إلى نقص الموارد المالية، بل إلى الخشية من عدم وضوح الإطار التشريعي والتنظيمي.

العدوّ الحقيقي: عدم اليقين وليس الأزمة
ما يلفت الانتباه في الشهادات المُجمَّعة هو أنّ الإشكال الرئيسي لا يتمثّل في نقص الموارد المالية، ولا حتى في المنافسة الأجنبية، بل في عدم قابلية التوقّع لقواعد اللعبة. فالتغيّرات المتكرّرة في القوانين الجبائية، وطول الإجراءات الإدارية، والإصلاحات المُعلَنة التي لا تُستكمل، كلّها عوامل تجعل التخطيط على المدى المتوسّط والطويل شبه مستحيل.
والنتيجة أنّ 68% من المسؤولين يعتبرون عدم الاستقرار التشريعي المصدر الأوّل لعدم اليقين. تليه التعقيدات الإدارية (57%)، ثمّ منافسة القطاع غير المنظّم (أي المؤسسات التي لا تدفع الضرائب ولا المساهمات الاجتماعية وتضغط على الأسعار نحو الانخفاض) بنسبة 44%، فصعوبات الابتكار (31%)، وأخيرًا محدودية النفاذ إلى التمويل البنكي (27%).
وأمام هذا الواقع، يتّخذ رؤساء المؤسسات خيارًا عقلانيًا، يكاد يكون بديهيًا: تجنّب المخاطر غير الضرورية، وحماية المكتسبات، وانتظار استقرار القواعد قبل الإقدام على استثمارات كبرى. ويُعرف هذا السلوك في الأدبيات الاقتصادية بـ”الحذر الاستراتيجي”، وهو توجّه دفاعي يبدو منطقيًا على المستوى الفردي، لكنه يحدّ من ديناميكية الاقتصاد ككلّ.
وتُبرز المقارنة مع بلدان صاعدة أخرى هذا التباين بوضوح. ففي البرازيل، ورغم ارتفاع التضخّم وثقل البيروقراطية، تواصل الشركات الاستثمار في الابتكار للحفاظ على قدرتها التنافسية. وفي المغرب، حتى في فترات تقلّب الأسعار، يحافظ المسؤولون على استراتيجيات هجومية، خاصة في القطاعات التصديرية. أمّا في الهند، فتدفع التوتّرات الجيوسياسية المؤسسات إلى تنويع أنشطتها بدل الانكماش. في المقابل، يبدو الوضع في تونس معكوسًا: إذ تؤدّي الضغوط الخارجية إلى تعزيز نهج دفاعي قائم على التثبيت، لا إلى تعبئة هجومية قائمة على المبادرة.

ما الذي يجب تغييره، وبشكل عاجل؟
لا تكتفي الدراسة بتشخيص الوضع، بل تطرح حلولًا عملية يدعو إليها رؤساء المؤسسات، ويُفترض أن تجد صدى لدى السلطات العمومية.
أولًا، ضرورة استقرار القواعد. ليس بالضرورة أن تكون القوانين مثالية، بل أن تكون مستقرة. فالمؤسسة قادرة على التكيّف مع عبء جبائي إذا كان قابلًا للتوقّع، لكنها لا تستطيع التعامل مع تغييرات متكرّرة كل بضعة أشهر. إنّ ضبط مسارات إصلاح واضحة والالتزام بها من شأنه أن يبعث رسالة ثقة قوية.
ثانيًا، تبسيط الإجراءات الإدارية، من خلال رقمنة المسارات وإرساء منظومات الشباك الموحد لفائدة المؤسسات. هذه الآليات أثبتت نجاعتها في تجارب أخرى، إذ تُقلّص الآجال والتكاليف، وتخفّف من العبء الإداري الذي يرهق أصحاب المؤسسات.
ثالثًا، تحسين النفاذ إلى التمويل. فما تزال البنوك التونسية متحفّظة إزاء المشاريع المبتكرة أو عالية المخاطر. ومن شأن إحداث آليات عمومية للضمان، وصناديق تمويل أولي، وحوافز جبائية للاستثمار في البحث والتطوير، أن يساهم في دفع عجلة التحوّل الاقتصادي، كما أثبتت ذلك تجارب دول أخرى.
رابعًا، دعم الابتكار بشكل ملموس، عبر تعزيز الروابط بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية، ضمن منظومة متكاملة لا تزال إلى اليوم مشتّتة وغير قادرة بالقدر الكافي على خلق القيمة.
وفي غياب هذه الإصلاحات المنسّقة، يُخشى أن يتكرّر نفس السيناريو: مؤسسات تصمد على المدى القصير، لكنها تتراكم لديها فجوة تكنولوجية، وتفقد قدرتها التنافسية، وتتراجع في الأسواق الإقليمية والدولية.
ويعتزم المعهد العربي لرؤساء المؤسسات تحويل هذه الدراسة إلى مقياس سنوي يعكس تصوّرات القيادات الاقتصادية، بما يوفّر أداة قيّمة لمتابعة تطوّر ثقة القطاع الخاص وتوجيه السياسات العمومية بصفة آنية. وهي مبادرة تعبّر في حدّ ذاتها عن ثقة في المستقبل.
IACE –المعهد العربي لرؤساء المؤسسات
الاطلاع على المذكرة
"CEO 50 : Les priorités des dirigeants tunisiens face à l'instabilité" صادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، سنة 2025, الكلمات الرئيسية: القيادات التونسية، الاستثمار، عدم الاستقرار التشريعي، القطاع الخاص، الابتكار.