الطبقات الوسطى في تونس: استقرار اجتماعي أم هشاشة خفية؟

Ecotous
6 Min Lire

أحدثت جائحة كوفيد-19 اضطرابًا كبيرًا في الاقتصاد التونسي، وأثّرت على التوازنات الاجتماعية. فهل كانت الطبقات الوسطى، التي تُعتبر غالبًا ركيزة الاستقرار الاجتماعي، محمية فعلاً خلال هذه الأزمة؟ تكشف دراسة معمّقة لمسارات الفئات الاجتماعية واقعًا متباينًا: إذ إنّ خلف مفهوم «الطبقة الوسطى» تختفي أوضاع مختلفة جدًا وقدرات غير متساوية على مواجهة الصدمات.

تحوّلت الأزمة الصحية بسرعة إلى أزمة اقتصادية: توقّف النشاط، تراجع المداخيل، وحالة من عدم اليقين المستمر. واضطرت الأسر التونسية إلى التكيّف في وقت وجيز. وقد سارعت الدولة إلى وضع مساعدات استثنائية، خاصة للفئات الأكثر هشاشة. لكن يبقى السؤال: هل كانت هذه الإجراءات كافية لتخفيف أثر الأزمة على الجميع؟

للإجابة عن هذا السؤال، يجب تجاوز التصورات النمطية. فالطبقة الوسطى في تونس ليست كتلة موحّدة، بل هي فئة داخلها تفاوتات كبيرة من حيث الدخل، المستوى التعليمي، الوضعية المهنية، ومدى النفاذ إلى الحماية الاجتماعية.

ومن هذه الاختلافات تتحدد قدرة كل فئة على الصمود أمام الأزمات الكبرى. ويستند هذا التحليل إلى دراسة كلّ من تسيري أندريانامبياريفو، سيلين بونفون وفاطمة مبروك بعنوان: هل كانت الطبقات الوسطى التونسية أكثر حماية أمام أزمة كوفيد-19؟ تحليل استراتيجيات التكيّف لدى الأسر من منظور التمايز الاجتماعي، المنشورة في مجلة Mondes en Développement (عدد 53، 2025/1)، والتي تتناول بالتفصيل مسارات الأسر وآليات التكيّف حسب الخصائص الاجتماعية المختلفة.

توزيع غير متكافئ للحماية الاجتماعية

تمتلك تونس نظامًا للضمان الاجتماعي يغطي أساسًا العاملين في القطاع المنظم، إلى جانب برامج مساعدة موجهة للأسر الأكثر فقرًا. وخلال جائحة كوفيد-19، تم تقديم تحويلات مالية استثنائية لفائدة عائلات تم تحديدها مسبقًا كفئات هشّة.

لكن بين الفئات الأكثر فقرًا، التي تتمتع بحماية جزئية، والفئات الميسورة التي تستفيد من تغطية أفضل، توجد منطقة رمادية. إذ يقع جزء من الطبقات الوسطى، وخاصة المنخرطين في القطاع غير المنظم أو العاملين في وظائف هشة، في هذا المجال الوسيط.

وتستفيد الطبقات الوسطى العليا، التي غالبًا ما تكون متعلّمة وتعمل في القطاع العمومي أو في وظائف ذات كفاءة عالية، من آليات حماية أكثر مؤسساتية. في المقابل، يواجه المستقلون والعمال والناشطون في القطاع غير المنظم هامشًا محدودًا من الحماية. هذا التفاوت يخلق ما يمكن تسميته بـ«نقطة عمياء» في منظومة الحماية الاجتماعية: أسر ليست فقيرة بما يكفي لتستهدفها المساعدات، وليست محمية بما يكفي لتصمد دون دعم.

طبقات وسطى متعددة

إن الحديث عن «الطبقة الوسطى» بصيغة المفرد يخفي تنوعًا عميقًا داخل المجتمع. ففي سنة 2021، يمكن تقسيم المجتمع التونسي بشكل تقريبي إلى أربع فئات رئيسية:

  • الفئات الشعبية الهشّة، ذات الدخل الضعيف والعمل غير المستقر.
  • الطبقات الوسطى الدنيا، وتتكوّن غالبًا من عمال ذوي مستوى تعليمي محدود وينشطون بدرجة كبيرة في القطاع غير المنظم.
  • الطبقات الوسطى من أصحاب المشاريع والمستقلين، ذات مستوى تعليمي متوسط.
  • الطبقات الوسطى العليا والفئات الميسورة، المتعلمة والتي تشغل مناصب ذات كفاءة عالية.

ولا يعتمد هذا التصنيف على الدخل فقط، بل يشمل أيضًا مستوى التعليم، والمهنة، والوضعية المهنية، وقطاع النشاط.

وقد اختلفت المسارات خلال الأزمة بشكل واضح حسب هذه الفئات. فالطبقات الوسطى العليا كانت الأكثر قدرة على الصمود، رغم أن بعضها شهد تراجعًا في وضعه. أما المستقلون وأصحاب المشاريع فقد تكبدوا أحيانًا خسائر كبيرة في النشاط. في حين كانت الطبقات الوسطى الدنيا، بحكم حضورها القوي في القطاع غير المنظم، الأكثر عرضة لانخفاض حاد في الدخل.

استراتيجيات التكيّف: مؤشّر كاشف للفوارق الاجتماعية

أمام الصدمة، لم تعبّئ جميع الأسر نفس الموارد. فقد اعتمدت الفئات الأكثر حظًا على آليات رسمية: الحفاظ على الوظيفة، الاستفادة من الضمان الاجتماعي، والحصول على المساعدات العمومية. كما لجأت بعض الفئات المتوسطة إلى مزج هذه الآليات مع موارد غير رسمية، مثل التضامن العائلي أو التحويلات المالية من أقارب مقيمين بالخارج.

في المقابل، لجأت فئات أخرى إلى استراتيجيات أكثر هشاشة: الاعتماد على المدّخرات، بيع الممتلكات، أو الحصول على قروض صغيرة. ورغم أن هذه الحلول تساعد على مواجهة الضغوط على المدى القصير، إلا أنها قد تُضعف الوضع المالي للأسر على المدى الطويل.

أما الأسر الأكثر هشاشة، وخاصة تلك التي تجمع بين هشاشة مهنية وضعف في رأس المال الاجتماعي، فقد وجدت نفسها أحيانًا دون أي شبكة حماية حقيقية. وهنا تتحول الأزمة إلى مرآة تكشف عمق التفاوتات البنيوية داخل المجتمع.

كما تُبرز هذه الأزمة حدود السياسات العمومية المجزأة، والتي لا ينجح استهدافها دائمًا في إدماج العاملين في القطاع غير المنظم أو الفئات ذات الوضعيات الهجينة.

ما الذي غيّرته أزمة كوفيد-19؟

أظهرت الجائحة أن متانة الطبقات الوسطى ليست أمرًا مُكتسبًا أو مضمونًا. فبعض الفئات داخلها تتمتع بحمايات اجتماعية ومؤسساتية قوية، بينما تعيش فئات أخرى في حالة من عدم اليقين المستمر.

وعلى المدى القصير، لعبت الروابط العائلية والتضامن المجتمعي دور “مُمتصّ الصدمات”، حيث ساعدت العديد من الأسر على تجاوز الأزمة. لكن على المدى الطويل، لا يمكن لهذه الآليات غير الرسمية أن تعوّض نظام حماية اجتماعية أكثر شمولًا وتنسيقًا.

إن فهم هذا التنوع داخل الطبقة الوسطى يُعدّ أمرًا أساسيًا لتعزيز التماسك الاجتماعي. فطبقة وسطى هشة قد تتحول إلى عامل عدم استقرار، في حين أن طبقة وسطى آمنة ومستقرة تُشكّل رافعة أساسية للصمود والتنمية.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة:

Les classes moyennes tunisiennes ont-elles été mieux protégées face à la crise liée à la covid 19 ? Analyse des stratégies adaptatives des ménages au prisme de la stratification sociale”, من إعداد تسيري أندريانامبياريفو جامعة غرونوبل ألب، مركز بحوث الاقتصاد بغرونوبل CREG، وسيلين بونفون جامعة غرونوبل ألب، CREG، وفاطمة مبروك جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، باحثة مرتبطة بمركز -CERES تونس والمنشورة في مجلة - Mondes en Développement (2025/1، العدد 53)، دار De Boeck Supérieur، ومتاحة على منصة Cairn.info وفق شروط النشر القانونية.

 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *