الخبز وزيت الزيتون: هذه الأطعمة اليومية أكثر عرضة للخطر مما قد نتصور. في تونس، تواجه سلسلتا إنتاج القمح والزيتون عدة مخاطر مرتبطة بالمناخ، والاقتصاد، وضعف البنية الهيكلية. وتشير دراسة حديثة إلى جرس إنذار حول هذه التحديات. فما هي هذه المخاطر؟ ومن الأكثر تضررًا؟ والأهم، كيف يمكن التنبؤ بها والتعامل معها بشكل أفضل؟
تخيّل تونس بدون خبزها اليومي، ذلك الخبز العزيـز على تقاليدنا، أو بدون زيت الزيتون الذهبي الذي يضفي نكهة على أطباقنا البسيطة والفاخرة على حد سواء. قد تبدو هذه الصورة مبالغًا فيها، لكنها لم تعد بعيدة كما قد يظن البعض.
فالقمح والزيتون ليسا مجرد محاصيل زراعية، بل هما ركيزتان أساسيتان في الزراعة، والاقتصاد الريفي، والهوية الغذائية التونسية. إنهما يغذيان عائلاتنا، ويدعمان آلاف الفلاحين، ويُنشطان اقتصاد العديد من المناطق. وبدون هذه الإنتاجات، سيكون أسلوب حياة كامل معرضًا للخطر.
تهديدات حقيقية لزراعتنا
مع ذلك، تواجه هاتان السلسلتان الاستراتيجيتان اليوم تهديدات جدية. أظهرت دراسة بعنوان: “تقييم المخاطر في سلاسل القيمة للقمح والزيتون في تونس”، التي أُجريت بالتعاون بين وزارة الفلاحة ومنصة إدارة المخاطر الزراعية (PARM)، ضعفًا عميقًا في هذه القطاعات.
تحذر الدراسة من زيادة نقاط الضعف التي تمس الأمن الغذائي واستقرار الاقتصاد في المناطق الريفية. وتهدف إلى مساعدة صانعي القرار التونسيين على فهم المخاطر بشكل أفضل ووضع حلول عملية للتنبؤ بها والتخفيف من آثارها، وذلك عبر أدوات لإدارة المخاطر الزراعية قادرة على حماية الاستثمارات وضمان دخل الفلاحين.
زراعة تحت الضغط
ما الدرس الأساسي من هذه الدراسة؟ الزراعة التونسية أصبحت معرضة بشكل متزايد لمخاطر متراكمة: مناخية من جهة، واقتصادية من جهة أخرى.
- على الصعيد المناخي: يعاني البلد من جفاف أطول وأقسى، يهدد توافر المياه ويضعف التربة. لم يعد الجفاف حدثًا عرضيًا، بل أصبح ظاهرة مستمرة تؤثر على الدورة الطبيعية ونمو النباتات.
- على الصعيد الاقتصادي: أصبحت أسعار المدخلات الزراعية – من أسمدة وبذور ومنتجات حماية نباتية – غير مستقرة وأحيانًا صعبة المنال. عندما ترتفع التكاليف أو تصبح الإمدادات نادرة، يقلّ قدرة الفلاحين على حماية محاصيلهم وضمان جودتها.
هذه الوضعية تضغط بشكل كبير على السلاسل المعنية، وخاصة الفئات الأكثر ضعفًا مثل المزارعين الصغار والجامعين المحليين.
المخاطر الرئيسية لسلسلة الحبوب
تعد سلسلة الحبوب، وخاصة القمح، معرضة بشكل كبير لتقلبات المناخ. تحدد الدراسة ما لا يقل عن 26 خطرًا منهجيًا، أي مخاطر قادرة على التأثير في كامل سلسلة الإنتاج، من الزراعة وحتى الحصاد

من بين هذه المخاطر، هناك ثلاثة تُعدّ الأكثر إثارة للقلق:
- تقصير دورة نمو المحاصيل: الحبوب أصبح لها وقت أقل للنمو، ما قد يؤثر على إنتاجيتها وجودتها الغذائية. ويرتبط هذا الظاهرة بارتفاع درجات الحرارة والجفاف الممتد.
- الجفاف الشديد إلى المفرط: يقلل بشكل كبير من كمية وجودة الحبوب المنتجة. مياه أقل تعني حبوب أقل… وبالتالي خبز أقل على موائد التونسيين.
- تقدم تاريخ النضج: تنضج الحبوب في وقت أبكر، أحيانًا قبل أن تكون الظروف مثالية للحصاد. هذا يزيد من مخاطر الخسائر ويعقد تخطيط الفلاحين.
قد تكون العواقب الاقتصادية دراماتيكية. ففي حال حدوث جفاف شديد، قد تنخفض الإنتاجية بمقدار 372 ألف طن، أي ما يعادل خسارة تُقدّر بأكثر من 470 مليون دينار. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تتجاوز الخسائر 800 مليون دينار، ما يوضح مدى الضرورة الملحّة للتصرف سريعًا.
نقاط الضعف في سلسلة الزيتون
ان إنتاج الزيتون، وبالأخص زيت الزيتون، ليس بمنأى عن هذه المخاطر. فهو يتأثر أيضًا بالمناخ، مع وجود خطرين رئيسيين:
- الجفاف: يضعف أشجار الزيتون، يقلل من إنتاجيتها، وقد يؤثر على جودة الزيت، الذي يبقى أحد المنتجات التونسية الرائدة في التصدير.
- انخفاض البرودة في الشتاء: الشتاء المعتدل جدًا قد يمنع تفتح أزهار الزيتون، مما يقلّل إنتاج الثمار. كما أن هذا الاضطراب يعزز ظهور الأمراض.
تشير الدراسة إلى أن منتجي زيت الزيتون هم من بين الأكثر عرضة للمخاطر، نظرًا لاعتمادهم الكبير على التوازن المناخي وقلة الوسائل المتاحة لمواجهة الصدمات. فقد تؤدي حملة فاشلة إلى المساس بدخلهم وإضعاف كامل النظام الاقتصادي المحلي.
من هم الأكثر تضررًا

ان صغار الفلاحة وجامعو المحاصيل المحليون، هم الذين يتحملون أثقل تبعات هذه المخاطر أساسًا فبموارد محدودة، يكونون أكثر عرضة لتقلبات المناخ وارتفاع أسعار المواد الاولية الزراعية.
في قطاع الحبوب، تضعف هذه الضغوط المزدوجة – المناخ وتكاليف الإنتاج – النشاط الزراعي بأكمله. أما في قطاع الزيتون، فيعاني منتجو زيت الزيتون بشكل خاص من نقص الوسائل لمواجهة التغيرات المناخية، ما يجعل وضعهم أكثر هشاشة.
حلول لإدارة هذه المخاطر
الدراسة لا تقتصر على التحذير فقط، بل تقترح أيضًا مسارات عملية لتعزيز قدرة الزراعة التونسية على الصمود، من بينها:

- وضع أنظمة إنذار مبكر للتنبؤ بشكل أفضل بفترات الجفاف
- تشجيع تنويع المحاصيل لتجنب الاعتماد الكامل على الحبوب أو الزيتون
- دعم الفلاحين ماليًا، خصوصًا لمواجهة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، من خلال منح دعم، أو تقديم قروض مناسبة، أو تأمين زراعي
- تعزيز مهارات المنتجين في الممارسات الزراعية المرنة والمستدامة.
تهدف هذه الإجراءات إلى حماية الفلاحين بشكل أفضل، واستقرار الإنتاج، وضمان الأمن الغذائي للبلاد. تونس، الغنية بخبرتها الزراعية، يمكنها الاستمرار في إنتاج خبزها وزيتها، شريطة تكييف ممارساتها مع واقع تغيّر المناخ والأسواق.
إيكوتوس