ماذا لو كان تعزيز تحفيز الموظفين وولائهم يقتضي ببساطة الاستفادة من تقنيات التسويق، ولكن بتطبيقها داخل الشركة نفسها؟ تستكشف دراسة تونسية هذه الفكرة المبتكرة تحت عنوان “التسويق الداخلي”، وتقدّم حلًّا جادًّا لتعزيز انخراط الموظفين والحفاظ عليهم داخل المؤسسة.
في ظل عالم عمل أصبح غير مؤكد، يطرح السؤال المحوري: كيف يمكن حث الموظفين على المشاركة الفعّالة والمستدامة في شركتهم؟ أجريت هذه الدراسة في تونس بواسطة إيمان بن زكري وإيمد زيّام، باحثين في علوم الإدارة، ونُشرت في المجلة الدولية لعلوم الإدارة (المجلد 7، العدد 1) تحت عنوان “:مساهمة التسويق الداخلي في الانخراط التنظيمي: دراسة نوعية استكشافية“.
تركز الدراسة على قطاع استراتيجي، وهو قطاع خدمات وهندسة الحاسوب (SSII)، حيث يكون معدل دوران الموظفين مرتفعًا، والظروف أحيانًا صعبة، ويعدّ رأس المال البشري المورد الأهم.
اهتم الباحثان بمفهوم لا يزال قليل الدراسة في هذا السياق: التسويق الداخلي، وهو نهج يعامل الموظفين كـ”عملاء داخليين” يجب إرضاؤهم وكسب ولائهم وتحفيزهم، تمامًا كما هو الحال مع العملاء التقليديين. وللوقوف على أثر هذا النهج عمليًّا، أجرى الباحثان 22 مقابلة معمقة مع مدراء في منطقة تونس الكبرى. وكان الهدف من ذلك استكشاف كيفية تعزيز الانخراط التنظيمي، أي الرغبة الحقيقية لدى الموظف في البقاء، والمشاركة، والإيمان بالمشروع الجماعي.
ما يريده الموظفون: التقدير، الاستماع، والعدالة
تُظهر الدراسة أن المديرين المشاركين لم يعودوا يكتفون براتب جيد أو منصب مرموق، بل يسعون أيضًا إلى الاحترام، والتقدير، والحوار الحقيقي. غالبًا ما يكون الموظفون المنخرطون هم أولئك الذين يشعرون بالاستماع لهم، ويتم الاعتراف بجهودهم، ويُدمجون في مشروع واضح ومحدد.

يقارن أحد المدراء علاقته بالشركة بعلاقة زوجين: بدون تعاطف وتقدير، يضعف الرابط العاطفي. بينما يشير آخرون إلى ما يسمونه بـ”الرابط الأمومي”، أو حتى يعبرون عن شعور بـ”الخيانة” عندما لا تُقدّر المؤسسة موظفيها بما يكفي. وتُظهر الدراسة أن الانخراط لا يعتمد فقط على العقلانية أو المزايا المالية، بل يرتبط أيضًا بروابط عاطفية وأخلاقية قوية.
ويحدد الباحثون ستة محركات للتسويق الداخلي:
- التعاطف والتقدير: يتعامل المدير مع موظفيه بإنسانية، يستمع إليهم ويحترمهم. النتيجة: ارتباط عاطفي قوي.
- جودة العمل والمكافآت: إلى جانب الراتب، تلعب الظروف المادية، المكافآت، وفرص الترقية دورًا مهمًّا.
- المقارنة المعيارية (Benchmarking): يقارن الموظفون وضعهم بحال الشركات الأخرى. الشركة المتخلفة عن الركب تخاطر بفقدان مواهبها.
- التواصل التصاعدي: القدرة على التعبير عن الأفكار، الانتقادات، والشعور بأن المرء مسموع؛ وهو عامل أساسي لتعزيز الانتماء.
- مشاركة المعلومات: فهم أهداف وقيم ورسالة الشركة يعطي معنى للعمل اليومي.
- الأنشطة الترويجية الداخلية: فعاليات، ندوات، احتفالات تبرز الموظفين وتغذي شعورهم بالفخر.
لكن الأمر ليس تلقائيًا: إذ تُعد رضا الموظف عن العمل جسرًا يربط هذه الممارسات بالانخراط الفعلي. بمعنى آخر، لكي ينجح التسويق الداخلي، يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية صادقة، مستمرة، ومتسقة.
عندما يصبح التسويق أداة للحفاظ على المواهب
درس آخر قوي استخلصته الدراسة: المدراء الذين شملتهم المقابلات متطلبون، مطلعون وقادرون على التنقل. لا يترددون في مغادرة شركتهم إذا لم يشعروا بالتقدير أو الاعتراف بمجهوداتهم. بعضهم يفكر حتى في إنشاء شركته الخاصة بدل البقاء في بيئة لا تلبي توقعاته.
هنا يصبح التسويق الداخلي استراتيجية حيوية. لم يعد مجرد “ميزة إضافية” اختيارية، بل أصبح رافعة حقيقية للاحتفاظ بالمواهب في سياق تنافسي. فالعلاقة الولائية تُبنى على أساس تبادل واضح: “اعتنِ بي، وسألتزم معك“.
تكشف عدة شهادات عن هذه المنطقية في التبادل العادل. يوضح أحد المدراء: “أشعر بالالتزام تجاه شركتي لأنها تستمع إليّ وتدعمني. سيكون من الظلم مغادرتها من أجل مكافأة بسيطة في مكان آخر“. بالمقابل، يشير آخرون إلى الانفصال عن الانخراط بمجرد أن تصبح العلاقة غير متوازنة: “لم أعد أرغب في بذل أي جهد عندما أرى أن كل ما أقدمه لا يعود إليّ أبدًا“.

نقطة أخرى جديرة بالذكر: يستعين المدراء بالإنترنت لمقارنة وضعهم، ومتابعة عروض العمل، وملاحظة المزايا في أماكن أخرى. لذلك أصبح القياس المرجعي للموارد البشرية (Benchmarking RH) أمراً أساسياً: إذا لم تعدّل الشركة نفسها لتواكب معايير القطاع، فإنها تفقد جاذبيتها.
رافعة بشرية نحو شركات أقوى
حتى وإن أجريت الدراسة في قطاع شركات الخدمات والمعلوماتية (SSII)، فإن نتائجها تتجاوز هذا القطاع بكثير. فهي تذكّر بحقيقة بسيطة، وغالباً ما تُنسى: لا يمكن للشركة أن تعمل بشكل جيد إذا كان موظفوها غير منخرطين. ولتحقيق الانخراط، يحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد كلمات. بل يجب الاستماع، والاعتراف، وإبلاغ الموظفين، وتقديرهم.
يبرز التسويق الداخلي هنا كأداة قوية، لكنه في الأساس أداة إنسانية. فهو يضع الفرد في قلب مشروع الشركة، ويدعو إلى إعادة صياغة الإدارة بعمق، بحيث يشعر كل موظف ليس فقط بأنه مفيد، بل بفخر لكونه جزءاً من هذا المشروع.
ايكوتوس
الاطلاع على الدراسة
"ا.بن زكري و ع. زعيم (2024)المساهمة الفعلية للتسويق الداخلي في الانخراط التنظيمي: دراسة نوعية استكشافية"، منشورة في المجلة الدولية لعلوم الإدارة، المجلد 7، العدد 1، الصفحات 44-64.