البنوك الرقمية: ما يتغير فعلاً ليس ما نظنه

تحويل الأموال وأنت في منزلك، الاطلاع على الرصيد في منتصف الليل، دفع الفواتير بثلاث نقرات… لقد غيّرت الخدمات البنكية عبر الإنترنت عاداتنا بشكل عميق. لكن ماذا عن الجانب الآخر من الشباك؟ هل أصبح المستشارون البنكيون فعلاً مهددين بفعل الثورة الرقمية؟ تكشف دراسة أُجريت على 35 مهنيًا في ستة بنوك تونسية ورومانية عن إجابات مفاجئة وأكثر دقة بكثير مما يُتداول عادة.

لقد أثارت الرقمنة البنكية نقاشاً واسعاً. ففي وسائل الإعلام، يُتحدث باستمرار عن اختفاء الوكالات البنكية، واستبدال المستشارين بخوارزميات، ونهاية العلاقة المباشرة بين الحريف ومستشاره. غير أن الواقع الميداني يقدّم صورة مختلفة تماماً. فعندما يتم الاستماع مباشرة إلى مهنيي القطاع، يتضح أن الفجوة بين الواقع والتوقعات التكنولوجية الكبرى كبيرة. وهذا تحديداً ما سعت هذه الدراسة إلى فهمه، من خلال مقارنة ميدانية بين ثلاث بنوك تونسية وثلاث بنوك رومانية، اعتماداً على منهجية بسيطة ومباشرة: مقابلات معمقة، تتراوح مدتها بين ساعة وساعتين، مع 35 مستشاراً في خدمة الحرفاء. لا استبيانات نظرية، ولا نماذج رياضية معقدة، بل حوارات واقعية مع مهنيين يعيشون التحول الرقمي من الداخل، يومياً 

تونس مقابل رومانيا: سياقان مختلفان وتجربتان متباينتان

من أبرز ما تكشفه هذه الدراسة هو التباين الواضح بين السياقين الوطنيين. ففي رومانيا، يصف المستشارون الذين شملهم الاستطلاع وضعاً مستقراً نسبياً. فالبنك عبر الإنترنت موجود ويستعمله الحرفاء للعمليات اليومية، لكنه لا يغيّر بشكل جوهري طبيعة عملهم اليومي. إذ تبقى العلاقة الإنسانية في صميم المهنة، كما تظل المهارات المطلوبة قريبة مما كانت عليه سابقاً.

أما في تونس، فالنبرة مختلفة. إذ برز توتر خاص في شهادات المستشارين: 12 من أصل 20 أشاروا بشكل تلقائي إلى ضرورة امتلاك مهارة إدارة الضغط. وهي مهارة لا تظهر عادة في أدلة التكوين البنكي، لكنها أصبحت، على ما يبدو، أساسية في الواقع المهني اليومي.

فمن أين يأتي هذا الضغط؟ من عدة مصادر في آن واحد. هناك أولاً الحرفاء الذين يواجهون مشاكل تقنية (كلمات مرور منسية، صعوبات في الاتصال…) فيتوجهون إلى الشباك وهم في حالة توتر، وعلى المستشار امتصاص هذا الغضب.

لكن هناك أيضاً قلقاً أعمق وأكثر خفاءً: الخوف من التحول السريع للمهنة، ومن عدم القدرة على اكتساب المهارات الرقمية الجديدة، ومن فقدان الدور المرجعي أمام حرفاء أصبحوا أكثر استقلالية.

ويرتبط هذا الاختلاف بين البلدين على الأرجح بعوامل ثقافية، وكذلك بوتيرة الرقمنة البنكية في كل سياق. ففي تونس، تبدو عملية الانتقال أكثر حدّة وأقل مرافقة، وهو ما ينعكس بوضوح على الواقع اليومي للمهنيين.

ما الذي تغيّر فعلاً… وما الذي لا يزال يتطلب العمل؟

إذا كان مستشارو الحرفاء لم يتأثروا بعد في جوهر مهنتهم، فإن فاعلين آخرين داخل البنك شعروا بالتغيير بوضوح. فموظفو الشباك — الذين يتولّون العمليات اليومية — لاحظوا تراجع طوابير الانتظار، خاصة فيما يتعلق بالتحويلات وطلبات كشوف الحساب. لقد خفّفت الخدمات البنكية عبر الإنترنت من عبء عملهم، لكن تأثيرها على المستشارين كان أقل بكثير.

وتشير الدراسة أيضاً إلى فرصة لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير: العديد من العمليات التي يمكن رقمنتها بالكامل لم تُفعّل بعد، بسبب قيود تنظيمية. فالتوقيع الإلكتروني، مثلاً في القروض، يمكن أن يسهّل بشكل كبير تجربة الحريف، غير أن التشريعات في تونس ورومانيا لا تسمح به بشكل كامل حتى الآن. وهو عائق قانوني يحدّ من تطور البنوك كما يقيّد الحرفاء أيضاً.

كما يجب وضع هذه الدراسة في سياقها الزمني، إذ أُنجزت قبل جائحة كوفيد-19. وقد أدت الأزمة الصحية إلى تسريع التحول الرقمي بشكل غير مسبوق في جميع القطاعات، بما في ذلك القطاع البنكي. فما كان يُعتبر تطوراً تدريجياً قبل 2019، تسارع بشكل كبير خلال فترات الحجر الصحي. وأصبحت المهارات الرقمية، التي كانت تبدو اختيارية، ضرورة حتمية. ومن المرجح أن تعطي دراسة مماثلة اليوم نتائج مختلفة بشكل ملحوظ.

ومع ذلك، تبقى حقيقة أساسية: لم تقضِ الخدمات البنكية عبر الإنترنت على دور المستشار البنكي، بل دفعته إلى التطور، ليصبح أكثر توجيهاً وتفسيراً، وأكثر سرعة في التفاعل، وأحياناً أكثر قدرة على تحمل الضغط.

ولا يزال الوجه الإنساني للبنك قائماً، بل له مستقبل واعد، شريطة أن تستثمر المؤسسات فعلياً في مرافقة موظفيها خلال هذا التحول. وإلا فإن الضغط الذي لوحظ في تونس قد يتحول مستقبلاً إلى ظاهرة عامة.

أميرة الصغاري، أستاذة محاضِرة، المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية، جامعة تونس، مخبر PRISME
أدريانا سكيوبيو بورليا، أستاذة، كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال، جامعة كرايوفا (رومانيا) 
جميل الشعبوني، أستاذ فخري،جامعة سيسام تونس

للاطلاع على الدراسة

"How does online banking influence the account manager's job? Cases of Tunisian and Romanian banks", publiée dans la revue Recherches en Sciences de Gestion, n°145, 2021, pages 243 à 267, aux éditions ISEOR. 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *