في تونس، العمل الاجتماعي مهنة تُستنزف بسرعة. الإرهاق، الضغط، واستنزاف الطاقة: غالبًا ما يدفع العاملون في هذا القطاع ثمنًا إنسانيًا مرتفعًا. لكن دراسة علمية حديثة تقلب هذه الفكرة الشائعة، وتُظهر أن التكنولوجيا الرقمية، عندما يتم إدماجها بشكل صحيح، لا تزيد العبء على هؤلاء المهنيين، بل تحميهم منه.
أصبح التحول الرقمي حاضرًا في كل القطاعات، بما في ذلك تلك التي كان يُعتقد أن الآلة لا مكان لها فيها، ومن بينها العمل الاجتماعي. في تونس، يحدث هذا التحول بشكل تدريجي وغير ملحوظ، لكن آثاره على العاملين مع الفئات الهشّة تستحق التوقف عندها.
وقد تناولت دراسة علمية نُشرت سنة 2024 بعنوان:
“The impact of ICT on social workers’ well-being: a mixed methods research”
هذا الموضوع بهدف فهم ما إذا كانت تكنولوجيا المعلومات والاتصال (TIC) — مثل الأدوات الرقمية، وبرامج التسيير، والمنصات التعاونية — تحسّن أم تُضعف رفاه العاملين الاجتماعيين في تونس.
وجاءت النتيجة مفاجئة: فبدل أن تُثقل كاهلهم، تتحول هذه الأدوات، عندما تُستخدم بشكل سليم، إلى درع واقٍ ضد الاحتراق المهني (burn-out). وهو ما يدعو إلى إعادة التفكير في طريقة إدماج الرقمنة داخل المؤسسات.
الرقمنة: حليف غير متوقع ضد الاحتراق المهني
قد يُعتقد أن الشاشات والبرمجيات تضيف أعباء جديدة إلى العمل الاجتماعي، من تعبئة الملفات وإدخال البيانات وتعلّم الأدوات الجديدة. لكن الواقع الذي كشفته الدراسة مختلف تمامًا.
فعندما يتم دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصال بشكل فعلي في الممارسات المهنية — وليس فرضها بشكل متسرّع — فإنها توسّع ما يسميه الباحثون “الموارد المتاحة”: مثل تسهيل الوصول إلى المعلومات، توفير الوقت في الأعمال الإدارية، وتحسين التنسيق بين الزملاء.
وهذا يتيح للعاملين الاجتماعيين التركيز على ما هو جوهري: العلاقة الإنسانية مع المستفيدين.
وتكمن الآلية الأساسية في أن تقليص العبء الإداري والمعرفي يخفف من الضغط المهني، مما يؤدي إلى انخفاض حالات الاحتراق النفسي، وارتفاع مستوى الالتزام المهني في الوقت نفسه.

التكوين والدعم: بدونهما لا يعمل أي شيء
لكن يجب الانتباه: هذا الأثر الإيجابي ليس تلقائيًا. فلا يكفي تزويد الفرق بالحواسيب أو البرمجيات حتى يحدث التحول المطلوب. فالدراسة تؤكد بوضوح أن كل شيء يعتمد على جودة التكوين والدعم الذي توفره المؤسسة.
فالمنظمات التي تستثمر في مرافقة فرقها — من خلال التكوين المستمر، والمساعدة التقنية، وثقافة رقمية داعمة وغير عقابية — تحقق نتائج أفضل بكثير: مهنيون أكثر التزامًا، أقل عرضة للاحتراق النفسي، وأكثر فعالية في أداء مهامهم.
في المقابل، فإن إدخال الرقمنة بشكل متسرّع، دون تدريب أو دون الاستماع إلى احتياجات الميدان، قد يؤدي إلى نتائج عكسية: شعور بعدم الكفاءة، إحباط، وزيادة في العبء بدل تقليصه.
وبالتالي، فإن الرقمنة ليست حلًا جاهزًا يُطبَّق تلقائيًا. إنها أداة، وكأي أداة، تعتمد فعاليتها على من يستخدمها… وعلى من يرافقهم في استخدامها.

نموذج علمي مُثبت في السياق التونسي
لفهم هذه الديناميكيات، تعتمد الدراسة على نموذج الموارد والمتطلبات المهنية المعروف اختصارًا بـ JD-R. هذا الإطار النظري، المعترف به دوليًا، ينطلق من فكرة بسيطة: في العمل، يوازن كل فرد باستمرار بين متطلبات (مثل الضغط، عبء العمل، وتعقيد الحالات) وموارد (مثل الدعم، الاستقلالية، والأدوات المتاحة).
عندما تكون الموارد كافية، فإنها تمتصّ آثار المتطلبات السلبية. أما في حال العكس، فإن الاحتراق المهني (burn-out) يصبح احتمالًا مرتفعًا.
الجديد في هذه الدراسة هو أن هذا النموذج، الذي تم اختباره أساسًا في سياقات غربية، يثبت أيضًا صلاحيته في السياق التونسي. وهو ما يُعدّ تأكيدًا مهمًا يفتح الباب أمام مقارنات دولية، ويساعد على تطوير سياسات عمومية أكثر دقة في بلدان الجنوب.
بالنسبة لصنّاع القرار – مثل مديري المؤسسات الاجتماعية، مسؤولي الموارد البشرية، والوزارات المعنية – فإن الرسالة واضحة واستراتيجية: إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال (TIC) لا ينبغي أن يكون إجراءً ثانويًا أو مجرد تحديث إداري، بل يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من سياسة تحسين جودة الحياة في العمل.
وهذا يتطلب تقييمًا منتظمًا للنتائج على أرض الواقع، وإنصاتًا حقيقيًا للمهنيين، وترسيخ نموذج تنظيمي قائم على التعلم والدعم المستمر.

تُثبت هذه الدراسة بصرامة علمية أن التحول الرقمي، عندما يتم تنفيذه بعقلانية وبُعد إنساني، يمكن أن يصبح رافعة حقيقية لتعزيز رفاه المهنيين الذين يوجدون غالبًا في الصفوف الأمامية لمواجهة المعاناة الاجتماعية.
فالرقمنة ليست عدوًا للعلاقة الإنسانية، بل يمكن أن تكون، على العكس، حارسًا لها، بشرط أن يتم توفير الإمكانيات الحقيقية اللازمة لها.
حنان خنشال- دكتورة محاضرة مؤهلة (HDR) في علوم التصرف أستاذة مساعدة بالمعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج (IHEC)(IHEC) ميساء القادري-المعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج
الاطلاع على الدراسة
"The impact of ICT on social workers' well-being: a mixed methods research" Journal of Management Development, Vol. 43, No. 4, pp. 461–490