قانون الشغل في تونس: مسؤولو الموارد البشرية بين الالتباس والتحوّل

IACE
6 Min Lire

دخل قانون جديد للشغل حيّز التنفيذ في تونس سنة 2025. وعلى الورق، يهدف هذا القانون إلى تعزيز حماية الأجّراء وتوضيح العقود. أمّا على أرض الواقع، فقد أحدث ارتباكًا داخل أقسام الموارد البشرية في المؤسسات، التي أصبحت تتنقّل بين غموض قانوني، وارتفاع في التكاليف، والتزامات جديدة. وقد أجرى المعهد العربي لرؤساء المؤسسات دراسة ميدانية شملت نحو مائة مدير موارد بشرية من مؤسسات مختلفة الأحجام والقطاعات، وقد قدّمت هذه الدراسة تقييمًا متوازنًا، مفاده أنّ المؤسسات التي تعتمد الاستباقية في التعامل مع الإصلاحات تكون في وضع أفضل من غيرها.

قد يبدو القانون مجرّد نصّ قانوني من بعيد، لكنّ تأثيره يصبح مباشرًا عندما يتعلّق بالتوظيف، وعقود الشغل، والعلاقات مع مزوّدي الخدمات. وهنا تحديدًا تتجلّى أهمية القانون عدد 9 لسنة 2025، باعتباره إصلاحًا محوريًا في منظومة الشغل في تونس. ولفهم كيفية تفاعل الفاعلين الاقتصاديين معه ميدانيًا، استطلع المعهد آراء حوالي مائة مدير موارد بشرية يمثّلون قطاعات وأحجام مؤسسات مختلفة. وكانت الخلاصة واضحة: هذا القانون أحدث تحوّلًا ملموسًا، وطرح تحديات تنظيمية وتشغيلية، لكنه في الوقت نفسه يفتح فرصًا جديدة أمام المؤسسات القادرة على التكيّف واستباق التغيّرات.

قانون ذو نوايا حسنة، لكنه ما يزال غامض الملامح

يُعلن القانون عدد 9 لسنة 2025 عن ثلاثة أهداف واضحة: حماية العمال، وضمان شفافية العقود، وتنظيم أفضل لعمليات المناولة، أي الحالات التي تُسند فيها المؤسسة جزءًا من نشاطها إلى مزوّدين خارجيين. وهي أهداف محمودة من حيث المبدأ، لكنّ تطبيق النص يطرح في الواقع العديد من الإشكالات.

فقد اعتبر نحو 68% من مسؤولي الموارد البشرية المستجوبين أنّ بعض أحكام القانون ما تزال غير واضحة. وتتصدّر مجالات الغموض العقود محددة المدة والمناولة في الأنشطة الأساسية للمؤسسة، وهما الأداتان الأكثر استعمالًا لضبط مرونة التشغيل. ويبرز هذا الغموض بشكل خاص في قطاعات تعتمد عليهما بشكل كبير، مثل شركات الخدمات الرقمية (60%)، وقطاع البناء والأشغال العامة (55%)، والصناعات الغذائية العامة (50%).

والنتيجة العملية تتمثّل في مزيد من الحذر في قرارات الانتداب، وإخضاع العقود بشكل شبه منهجي للمراجعة القانونية، بل واستبعاد بعض المزوّدين الخارجيين لتقليص المخاطر القانونية. هذا النهج الحذر له كلفة واضحة من حيث الوقت والموارد والمرونة التشغيلية. ويزيد من تعقيد الوضع عدم صدور جميع النصوص الترتيبية المصاحبة للقانون، مما يفتح المجال أمام تأويلات متفاوتة من مؤسسة إلى أخرى.

في كواليس المؤسسات: تعديلات، كلفة، ورقمنة

وبعيدًا عن حالة عدم اليقين القانوني، يفرز هذا القانون آثارًا ملموسة على التنظيم الداخلي للمؤسسات. وتُعدّ أكثر المناصب تأثرًا تلك التي يتمّ تدبيرها عبر المناولة أو العقود المؤقتة، مثل الحراسة (حيث أشار 40% من مسؤولي الموارد البشرية إلى صعوبات في هذا المجال)، والتنظيف (37%)، وعدد من الوظائف الأخرى المُسندة إلى الخارج (15%).

وقد اضطرت بعض المؤسسات إلى تقليص حجم موظفيها بما يصل إلى 15% في بعض الحالات، في حين لجأت مؤسسات أخرى إلى إدماج وظائف كانت مسندة سابقًا إلى الخارج، وهو ما نتج عنه ارتفاع في التكاليف المرتبطة بالتشغيل، مثل الترسيم، والمنافع الاجتماعية، والتكوين. وعلى مستوى الميزانيات، تراوح الأثر بين 5% و25% حسب القطاعات، مع تسجيل نسب أعلى قد تصل إلى 35% في أنشطة الحراسة والتنظيف.

لكنّ اختزال الأمر في كونه عبئًا فقط سيكون تبسيطًا مخلًا. إذ أدّى القانون في عدد من المؤسسات إلى دفع ديناميكية تحديث إيجابية في الآن ذاته. فقد أطلق 60% من مسؤولي الموارد البشرية عمليات تدقيق داخلية لعقود العمل ومراجعة الاتفاقيات الجماعية، كما اعتمد 55% أدوات رقمية لتتبع الإطارات التعاقدية والموارد البشرية والمناولة، بينما استفاد 40% من الأجراء المعنيين من برامج تكوين للتأقلم مع المستجدات.

وبذلك، يفرض القانون على المؤسسات نوعًا من “المراجعة الذاتية” العميقة، التي تدفعها إلى إعادة تنظيم هياكلها بشكل أعمق وأكثر هيكلة.

عبء أم فرصة؟ الأمر يتوقف على طبيعة التفاعل مع التغيير

أمام نفس القانون، لا تتفاعل المؤسسات التونسية بالطريقة ذاتها، وتختلف النتائج بشكل واضح تبعًا للمقاربة المعتمدة. فالمؤسسات التي عزّزت حوكمة مواردها البشرية الداخلية، أفادت بنسبة 50% بأنها حقّقت تحسنًا في التحكم في المخاطر القانونية والتشغيلية. في المقابل، تواجه المؤسسات التي اكتفت بالانتظار تعديلات أكثر حدّة وكلفة أعلى.

وتُبرز هذه الدراسة أربعة محاور أساسية لتحويل هذا الإطار التنظيمي إلى رافعة للأداء. أولًا، ضرورة توضيح القانون داخليًا عبر إعداد أدلة تطبيقية وتكوين الإطارات الإدارية، بما يمنع اختلاف التأويل بين الفرق. ثانيًا، مراجعة آليات التجربة والتقييم لتحسين تأمين عمليات الانتداب منذ بدايتها. ثالثًا، تعزيز التسيير العملياتي للموارد البشرية، خاصة في المهن الحسّاسة مثل الأمن، حيث تُعدّ استمرارية الخدمة ودوران اليد العاملة عنصرين حاسمين. رابعًا، مرافقة التحوّل الثقافي داخل المؤسسات، حتى لا تُفهم الالتزامات الجديدة كضغط مفروض من الأعلى، بل كأسلوب عمل جديد قائم على التعاون والمسؤولية.

إنّ هذه المحاور الأربعة، مجتمعة، لا تتيح فقط تأمين الموارد البشرية، بل تساهم أيضًا في تحسين النجاعة التشغيلية. وبذلك يتجاوز القانون عدد 9 لسنة 2025 مجرد إطار للامتثال القانوني، ليصبح دعوة إلى مزيد من احترافية تسيير الموارد البشرية، وتوثيق الممارسات، وترسيخ ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات التونسية. والمؤسسات التي تنجح في استباق هذه التحوّلات وتنظيمها ستحوّل هذا الإصلاح إلى ميزة تنافسية مستدامة، في حين لن يراه الآخرون سوى صدمة تنظيمية.

IACE – المعهد العربي لرؤساء المؤسسات

للاطلاع على المذكرة:

“Perception des DRH de la nouvelle réglementation du travail en Tunisie”, صادر عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات (IACE)، سنة 2025.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *