إصلاح مجلة الشغل: نحو عمل لائق وتنظيم أفضل لخدمات تقديم الخدمات

5 Min Lire

في سياق أصبحت فيه ترقية العمل اللائق وضمان أجر عادل من الأولويات، يُمثّل القانون الجديد المنظّم لعقود الشغل والمُحرِّم لمناولة اليد العاملة خطوة مهمّة نحو تكريس فعلي للحق في العمل في ظروف كريمة.

تندرج هذه الإصلاحات ضمن سياسة اجتماعية استباقية ومنسجمة تنتهجها الدولة، بما يتماشى مع التزاماتها الدولية، ولا سيما اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وأهداف التنمية المستدامة في أفق سنة 2030، وخاصة:

 

  • الهدف 8: تعزيز نمو اقتصادي مطّرد وشامل ومستدام، وتحقيق العمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع.
  • الغاية 5.8: ضمان المساواة في الأجور وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال، بما في ذلك الشباب والأشخاص ذوو الإعاقة.
  • الهدف 10: الحدّ من أوجه عدم المساواة وضمان تكافؤ الفرص.

من منع مناولة اليد العاملة إلى تنظيم خدمات الأداء: مقاربة جديدة
يقترح القانون حظر شركات مناولة اليد العاملة، التي تُستخدم غالبًا للتحايل على الالتزامات القانونية المرتبطة بالشغل، مقابل اعتماد مؤسسات تقديم الخدمات أو إنجاز الأشغال. وتخضع هذه الهياكل لأحكام مجلة الالتزامات والعقود، وتعمل في إطار عقود تُبرم بين مؤسستين، حيث تتولى إحداهما تقديم خدمات لفائدة الأخرى، شريطة ألا تكون هذه الخدمات ضمن النشاط الرئيسي أو الدائم للمؤسسة المستفيدة.

ويهدف هذا التوجه إلى إرساء علاقة عادلة وشفافة بين العامل، وصاحب العمل الفعلي، والمؤسسة المنتفعة، مع القضاء على أشكال التشغيل المقنّع أو التعسفي.

تحديات التطبيق على أرض الواقع
رغم ذلك، يطرح التطبيق العملي للقانون عدة تساؤلات. فما يبدو تعريفًا قانونيًا واضحًا قد يكون قابلًا للتأويل، خاصة بالنسبة للمؤسسات متعددة الأنشطة أو المنتشرة عبر عدة مواقع. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن تصنيف خدمات مثل التنظيف أو الحراسة؟ هل تُعدّ من النشاط الأساسي أم لا؟

كما أنّ قطاعات مثل البناء والأشغال العامة، التي تتميّز بتنوع أنشطتها وتغيّر احتياجاتها بشكل مستمر، تعتمد على شركات مختصة لتنفيذ مهام محددة، غالبًا على المستوى المحلي. وتُعدّ هذه الشراكات عنصرًا أساسيًا في الديناميكية الاقتصادية الجهوية.

وفي الواقع، ساهم هذا النموذج في بروز آلاف المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز النسيج الاقتصادي المحلي، ودعم التشغيل في الجهات، والحدّ من النزوح الريفي. بل إنّ بعض هذه المؤسسات استطاعت تحقيق تنافسية على المستوى الدولي.

الحاجة إلى مقاربة متوازنة
من المهم التذكير بأنّ التشريعات الوطنية والدولية في مجال الصفقات العمومية والخاصة لا تعارض، من حيث المبدأ، اللجوء إلى المناولة. بل إنها تشجّع، في بعض الحالات، على إشراك الفاعلين المحليين، في إطار نقل الخبرات وتحقيق التنمية المستدامة.

وعليه، فإنّ الحظر الشامل لمناولة اليد العاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تراجع المداخيل الجبائية، وارتفاع البطالة، وفقدان مصادر رزق العديد من الأسر.

عقود تقديم الخدمات: ضرورة تنظيمية وواقع عملي
تمثّل عقود تقديم الخدمات أو إنجاز الأشغال استجابة عملية لحاجة المؤسسات إلى المرونة في تنفيذ المشاريع. فهي تتيح التحكم في التكاليف وضمان جودة الإنجاز، كما توفّر للمؤسسات الصغرى فرصة لاكتساب الخبرة وتعزيز حضورها في السوق، شريطة احترام حقوق العمال.

ولتأطير هذا الإطار بشكل فعّال، ينصّ مشروع القانون على جملة من الضمانات، من بينها:

  • تحديد حدّ أدنى لرأس مال مؤسسات تقديم الخدمات
  • اشتراط كفاءات معيّنة للمسيرين
  • إلزامية التصريح المفصّل لدى تفقدية الشغل
  • ضمان أجر عادل وظروف عمل لائقة

ضمانات مالية تحتاج إلى ضبط دقيق

تُعدّ مسألة فرض ضمان مالي لتغطية حقوق العمال والمساهمات الاجتماعية من أكثر النقاط إثارة للجدل. فرغم وجاهة هذا الإجراء من حيث المبدأ، إلا أنه قد يشكّل عبئًا مفرطًا على المؤسسات الصغرى، خاصة وأنّ النص القانوني لا يحدّد لا قيمة هذا الضمان ولا آليات استرجاعه.

في الواقع، تعمل هذه المؤسسات بهوامش ربح محدودة، كما تواجه آجال دفع قد تتجاوز شهرًا، مما يزيد من صعوبة إدارة سيولتها المالية. لذلك، قد يكون من الأجدى إسناد مهمة تقدير الضمانات اللازمة إلى المؤسسات المستفيدة من الخدمات، مع تحميلها المسؤولية في حال حدوث إخلال.

ومن جهة أخرى، فإنّ التركيز على جودة الخدمات المقدّمة، بدل الاقتصار على معيار السعر فقط، من شأنه أن يعزّز التزام المؤسسات الحرفاء، ويُسهم في ترسيخ مناخ من الثقة والاحترام المتبادل بين طالبي الخدمات ومقدّميها.

 حمادي شلوف- خبير في الموارد البشرية

للاطلاع على المقال

"إصلاح مجلة الشغل: نحو عمل لائق وتنظيم أفضل لخدمات تقديم الخدمات"

Partager cet article