الأمن الاقتصادي: كيف تتعلم الشركات التونسية الصمود أمام الأزمات؟

5 Min Lire

بين التضخم، والحرب في أوكرانيا، واضطرابات اللوجستيات، وعدم الاستقرار السياسي، تجد الشركات التونسية نفسها تبحر في مياه عاصفة. ومع ذلك، حتى في ظل هذا السياق المتوتر، من الممكن التعافي. وذلك مشروط بقدرتها على التكيف والابتكار وبناء استراتيجية فعّالة للأمن الاقتصادي، مدعومة بدعم عام مستهدف.

شهدت السنوات الأخيرة العديد من الهزات الاقتصادية: جائحة، توترات جيوسياسية، ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية. ولم يسلم أي بلد من هذه الصدمات. في تونس، اصطدمت هذه الأزمات العالمية بهشاشات قائمة مسبقًا: ارتفاع الدين العام، ضعف النمو، البطالة المستمرة، وعدم الاستقرار السياسي. وفي هذا المشهد غير المستقر، تزداد أهمية مفهوم واحد: الأمن الاقتصادي.

الصمود، التكيف، التعافي

لقد أظهرت بعض الشركات التونسية بالفعل قدرة كبيرة على المرونة. خلال الجائحة، أعادت بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع النسيج توجيه إنتاجها نحو صناعة الكمامات. بينما قامت شركات أخرى في قطاع الصناعات الغذائية بتكييف سلاسل التوريد الخاصة بها لمواجهة الارتفاع الكبير في الأسعار. وتُظهر هذه الاستجابات أنه حتى في أوقات العواصف، من الممكن الرد بسرعة وفعالية.

لنأخذ مثال شركة افتراضية في المنستير. عند مواجهتها للإغلاق المفاجئ لأسواقها الأوروبية، أعادت توجيه نشاطها مؤقتًا نحو صناعة البلوزات الطبية. ثم، في مواجهة ارتفاع أسعار القطن والطاقة، أعادت تنظيم عملياتها، وبحثت عن موردين جدد، وتوجهت نحو أسواق المغرب العربي.

يُظهر هذا النوع من الأمثلة اتجاهًا أوسع: للبقاء على قيد الحياة، لم يعد يكفي انتظار مرور الأزمة. بل يجب إعادة التفكير في الاستراتيجية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الفرق العاملة، والأهم من ذلك، الحفاظ على قدرة عالية على التكيف. هذه المرونة هي ما يسمح للشركة بالبقاء صامدة… وأحيانًا بالخروج من الأزمة أقوى.

الاستعداد الأمثل للصمود الأمثل

في مواجهة الصدمات الاقتصادية، يمكن تفعيل عدة أدوات. الأولى هي التنويع. أي عدم الاعتماد على مورد واحد أو سوق واحد فقط. وهذا يشمل المواد الأولية، وفرص البيع، وحتى مصادر التمويل. فزيادة الخيارات تساعد على تقليل نقاط الضعف.

الأداة الثانية هي الابتكار، الذي يكون غالبًا حاسمًا في أوقات الأزمات. ولا يتطلب دائمًا موارد مالية كبيرة. فقد يشمل رقمنة جزء من النشاط، أو إعادة تنظيم العمليات الداخلية، أو اكتشاف احتياجات جديدة. ويسمى هذا النوع من الابتكار أحيانًا “الابتكار البسيط”، وغالبًا ما يسمح بالحفاظ على النشاط حتى في أوقات التوتر.

وأخيرًا، دور المسيٍر أساسي. في أوقات عدم الاستقرار، يجب أن يحافظ على رؤية شاملة مع إدارة الطوارئ في الوقت نفسه. ويجب عليه طمأنة الفرق، وتفويض المهام بفعالية، والحفاظ على تواصل واضح ومستمر. فإدارة إنسانية قائمة على القرب والثقة غالبًا ما تصنع الفارق.

ما الذي يمكن للدولة (ويجب) أن تفعله

يمكن للشركات أن تتكيف، لكنها لا تستطيع القيام بكل شيء بمفردها. في هذا السياق الهش، يكون دور الدولة أساسيًا. ولا يقتصر هذا الدور على الدعم المالي فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان بيئة اقتصادية مستقرة وقابلة للتنبؤ.

تتمثل أولى توقعات المستثمرين، سواء كانوا محليين أو أجانب، في وضوح القانوني والتنظيمي. فوجود قوانين واضحة، وعدالة فعّالة، وحوكمة متناسقة يخلق مناخًا من الثقة. وبدون ذلك، تؤجل قرارات الاستثمار… أو تُلغى.

كما يجب على الدولة توجيه الاستثمارات الأجنبية نحو القطاعات الأكثر نموًا: الصناعات الغذائية، البنية التحتية، الصحة… فهذه المجالات توفر تأثيرات إيجابية سريعة على مستوى التوظيف والتنمية المحلية. ومن المهم أيضًا تشجيع التحالفات بين الشركات التونسية والأجنبية، لتحفيز الابتكار، ونقل التكنولوجيا، والوصول إلى أسواق جديدة.

وأخيرًا، محاربة الفساد وتعزيز المؤسسات من المتطلبات الأساسية التي لا غنى عنها. فبدون شفافية وفعالية إدارية، لا يمكن لأي برنامج دعم اقتصادي أن يحقق كامل أثره.

استراتيجية مشتركة من أجل مستقبل أقوى

لقد أصبحت الأزمات جزءًا هيكليًا من الاقتصاد العالمي. ولم يعد بالإمكان اعتبارها مجرد أحداث استثنائية. وللاستعداد لها، يجب التفكير بطريقة مختلفة. فحماية الاقتصاد التونسي تعني حماية الشركات، والوظائف، وقدرات الابتكار. ويستلزم ذلك عملًا مشتركًا بين الدولة والقطاع الخاص، في إطار مسؤولية مشتركة.

لم يعد بالإمكان اعتبار الأمن الاقتصادي ترفًا. فهو أصبح الآن ضرورة استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر استقرارًا، وأكثر استقلالية، وقادر على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.

IACE  – المعهد العربي لرؤساء المؤسّسات 

الاطلاع على التقرير

“La souveraineté et sécurité économiques de l'Entreprise ; Quel impact sur les entreprises ?Quel modèle économique les entreprises ont-elles besoin ? Quel rôle de l’Etat et quel engagement de l’entreprise ?"

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *