الاقتصاد التونسي: مرونة تحت القيود

4 Min Lire

عرف الاقتصاد التونسي طويلاً قدرة على الصمود أمام الصدمات. لكن هذه القدرة على المقاومة تراجعت مع مرور الأزمات. وتُظهر دراسة للمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية ITCEQ [1]    أن مرونة البلاد أصبحت تعتمد اليوم أكثر على إدارة القيود منها على القدرة الفعلية على التحول.

على مدى عقود عدة، أبان الاقتصاد التونسي عن صلابة معينة في مواجهة الصدمات. كانت الأزمات تبطئ النشاط الاقتصادي، لكن التعافي كان يحدث بسرعة. وقد شكلت هذه القدرة على الامتصاص أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي الخفية في البلاد. منذ سنة 2011، تدهورت هذه الديناميكية بشكل ملحوظ. فقد أدت الصدمات المتعاقبة – السياسية والاقتصادية والصحية – إلى إطالة فترات التعافي. وكان جائحة كوفيد-19 مثالاً بارزاً على ذلك، إذ استغرق الناتج المحلي الإجمالي ما يقارب خمس سنوات ليستعيد مستواه قبل الأزمة.

تُبرز دراسة المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية أن المرونة أصبحت اليوم ناقصة، حيث لا تزال القدرة على التخفيف موجودة، لكن التكيف أصبح أبطأ بشكل متزايد.

قدرة متزايدة على التراجع

قبل سنة 2011، كانت الصدمات الاقتصادية تُمتص عادة خلال ربع سنة واحد. أما اليوم، فخروج الاقتصاد من الأزمات أصبح طويلاً وغير مؤكد. يواصل الاقتصاد العمل، لكنه بوتيرة أضعف، دون أي ديناميكية حقيقية للتعويض أو التعافي السريع. وينعكس هذا التطور في مكانة تونس على المستوى الدولي، حيث احتلت المرتبة الثامنة والعشرين من أصل 38 دولة من حيث المرونة الاقتصادية في سنة 2023، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى ضعف القدرة على التكيف.

ولا تزال بعض القوى الموروثة من الماضي – مثل التماسك الاجتماعي والقدرات الإنتاجية – تلعب دوراً مخففاً للصدمات. لكنها لم تعد قادرة على تعويض تدهور الحوكمة، وضعف كفاءة الخدمات العمومية، واعتماد البلاد على الطاقة والغذاء.

مرونة تقوم على الاستنزاف

تسلط الدراسة الضوء على مفارقة مركزية. فالتماسك الاجتماعي، الذي غالباً ما يُقدّم كركيزة للمرونة التونسية، أصبح يعمل أكثر فأكثر كوسادة مخففة سلبية.

في مواجهة الصدمات، يتم التكيف عبر انخفاض مستوى المعيشة، وتوسع الاقتصاد الموازي، والهجرة. تسمح هذه الصورة من المرونة بتجنب الانهيار الفوري، لكنها تُضعف المجتمع والاقتصاد بشكل مستدام.

في الوقت نفسه، تحد القيود المالية بشكل كبير من قدرة القطاع العام على التحرك. فالوصول إلى التمويل الخارجي محدود، بينما يؤدي ارتفاع الدين الداخلي واللجوء المتزايد إلى توفير النقد عبر البنك المركزي التونسي إلى تغذية التضخم، وإضعاف الدينار، وتقليل السيولة المتاحة للقطاع الخاص. وفي هذا السياق، يبدو النداء إلى توسيع الائتمان للشركات أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى استراتيجية قابلة للاستدامة.

الصمود أم التحول: خيار استراتيجي

نقطة محورية في الدراسة تتعلق بتعريف المرونة نفسها. بالنسبة للمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، فإنها تشير إلى القدرة على امتصاص الصدمات، والتعافي منها، والتكيف في بيئة مقيدة. وتؤكد هذه المقاربة على الاستمرارية الاقتصادية.

في المقابل، تعتمد المفوضية الأوروبية رؤية أوسع، تشمل القدرة على إجراء انتقالات مستدامة وعادلة وديمقراطية.

ويُفسّر اختيار المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية لتعريف أكثر تقييدًا بالقيود المالية والمؤسسية والسياسية الحالية. لكنه يميل أيضًا إلى تطبيع اقتصاد في حالة توتر دائم، حيث تختلط المرونة مع القدرة على “الصمود”.

ومع إعداد خطة التنمية 2026-2030، تبقى مسألة الطموح الجماعي في صلب الاهتمام. فاختزال المرونة في إدارة النقص أو الالتزام بالمواعيد المالية يعني قبول مسار من الركود بدل التحول.

وتقدم الدراسة تشخيصًا دقيقًا ومفيدًا، يبين أن مرونة الاقتصاد التونسي لا تزال قائمة، لكنها في شكل دفاعي، مكلف، ويصعب الحفاظ عليه.

دون إصلاحات هيكلية ذات مصداقية ودون إطار تمويلي مستدام، قد تقتصر هذه المرونة على إدارة القيود بشكل دائم. لذلك، لم يعد السؤال محصورًا في الصمود أمام الصدمات فحسب، بل في إعادة منح الاقتصاد التونسي قدرة فعلية على التحول.

[1] ITCEQ –  المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية – مرونة الاقتصاد التونسي: القياس والمكانة الدولية

 

صادق الرواي- متقاعد من البنك المركزي التونسي وصندوق النقدالدولي

الاطلاع على المدونة:

“Résilience de l’économie tunisienne : mesure et positionnement extérieur”.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *