ابتكار نماذج جديدة: النهضة الصعبة والواعدة لريادة الأعمال الاجتماعية في تونس

5 Min Lire

منذ ثورة الياسمين عام 2011، بدأ ريادة الأعمال الاجتماعية تفرض نفسها تدريجياً كمسار موثوق به لمعالجة أوجه عدم المساواة والبطالة والانقسامات الإقليمية في تونس. لكن لماذا يواجه ظهورها صعوبات كبيرة؟ وما هي الحلول المتاحة لتعزيزه؟ نعود إلى التحليل الذي أجرته ياسمين بوغزالة وهيرفيه ديفالفارد وزهرة بوسنينة، بعنوان: ”الصعوبة في ظهور ريادة الأعمال الاجتماعية في العملية الديمقراطية في تونس: هل الحل يكمن في المناطق؟“، المنشور في مجلة Interventions économiques) العدد 54، 2016. (

يمثل يوم 14 جانفي 2011 نقطة تحول في التاريخ التونسي. مع سقوط النظام القديم، دخلت البلاد في عملية ديمقراطية غير مسبوقة. كانت التوقعات هائلة: العدالة الاجتماعية، والكرامة، وخلق فرص العمل، والحد من التفاوتات. في هذا السياق، اكتسب مجال لم يكن مرئياً حتى ذلك الحين أهمية مفاجئة: ريادة الأعمال الاجتماعية. تتميز هذه الريادة بهدف بسيط لكنه قوي: المبادرة ليس من أجل تعظيم الأرباح، بل لتلبية حاجة اجتماعية أو بيئية. يتعلق الأمر بوضع الناس قبل رأس المال، وابتكار حلول مبتكرة للتوظيف والتضامن أو التنمية المحلية.

ومع ذلك، بعد مرور عشر سنوات على الثورة، لا بد من الإقرار بأن ريادة الأعمال الاجتماعية لا تزال تواجه صعوبات في فرض نفسها كبديل حقيقي. فلماذا يتأخر هذا القطاع في النمو؟ وكيف يمكن تهيئة الظروف اللازمة ليصبح محركًا للتحول الاجتماعي والإقليمي في تونس؟

نظام بيئي لا يزال هشًا

يُبرز المقال الذي أعدته الأساتذة ياسمين بوغزالة وزهرة بوسنينة، الأستاذات المساعدات في المعهد العالي للإدارة في تونس، والأستاذ هيرفيه ديفالفارد، الأستاذ المحاضر في جامعة إيروديت، كرسي ESS-UPEM، فرنسا؛ أن تونس شهدت منذ عام 2011 ظهور نظام بيئي وطني حقيقي لريادة الأعمال الاجتماعية. ونلاحظ ما يلي:

  • تزايد عدد الجمعيات،
  • إنشاء صناديق الدعم،
  • تعبئة الجهات الفاعلة من القطاعين العام والخاص،
  • تنامي دور حاضنات الأعمال والمراكز المتخصصة مثل المركز التونسي لريادة الأعمال الاجتماعية (TCSE).

مع ذلك، وعلى الرغم من هذه التقدمات، لا يزال هذا النظام البيئي هشاً. فعدد المشاريع الحقيقية في مجال ريادة الأعمال الاجتماعية لا يزال محدوداً، على الرغم من التوسع الهائل في النسيج الجمعياتي (ما يقرب من 15,000 جمعية في عام 2013 مقابل أقل من 10,000 في عام 2010). وهناك العديد من العقبات: صعوبة الحصول على التمويل، ونقص التدريب المناسب، والروتين الإداري، فضلاً عن عدم وجود إطار قانوني واضح.

وهنا تكمن المفارقة: ففي حين أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو محور التوقعات، لا يزال العرض في مجال ريادة الأعمال الاجتماعية متفرقاً وغير كافٍ

الأقاليم، مفتاح المستقبل

يؤكد المؤلفون على نقطة واحدة: إن النهج الوطني وحده لا يكفي. لكي يتطور ريادة الأعمال الاجتماعية بشكل حقيقي، يجب أن تتجذر أيضًا في المناطق المحلية.

ويضربون مثالاً على ذلك بمراكز التعاون الاقتصادي الإقليمية (PTCE) في فرنسا، التي تجمع في منطقة واحدة الشركات الاجتماعية والجمعيات والسلطات المحلية ومراكز البحث. وتعمل هذه المراكز على أساس منطق التعاون وتقاسم الموارد لتلبية الاحتياجات المحلية.

وإذا ما طُبق هذا النموذج على السياق التونسي، فقد يساهم في تقليص التفاوتات الإقليمية. واليوم، يتركز 85% من الناتج المحلي الإجمالي و92% من الشركات الصناعية في المدن الساحلية الكبرى (تونس، صفاقس، سوسة)، مما يترك المناطق الداخلية من البلاد على هامش التنمية الاقتصادية. وبالتالي، يمكن أن تصبح مراكز التعاون الاقتصادي الإقليمي ”على الطريقة التونسية“ رافعة ملموسة لتنشيط هذه المناطق، من خلال الجمع بين الاقتصاد والتضامن والتنمية المستدامة

ثقافة التضامن التي يجب تعزيزها

وإن كان النموذج الفرنسي لا يمكن تقليده كما هو، فإن تونس تمتلك ميزة كبيرة: ثقافتها التي تتسم بعمق بقيم التضامن والعدالة والتعاضد، الموروثة من التقاليد ومن شعارات الثورة على حد سواء: «الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية».

وتشكل هذه القيم أرضية خصبة لريادة الأعمال الاجتماعية. ولكن لكي تترجم هذه القيم إلى مشاريع ملموسة وقابلة للاستمرار، لا بد من تعزيز التدريب، وإنشاء شبكات مستدامة بين الفاعلين، وقبل كل شيء منح الثقة للشباب حاملي المشاريع، الذين يمثل ريادة الأعمال الاجتماعية بالنسبة لهم وسيلة ملموسة للعمل من أجل مجتمعهم.

يقدم مقال ياسمين بوغزالة (المعهد العالي للإدارة في تونس)، هيرفيه ديفالفارد (جامعة باريس-إيست مارن-لا-فالي، كرسي ESS-UPEM) وزهرة بوسنينة (المعهد العالي للإدارة في تونس)، المنشور في مجلة Interventions économiques (2016)، تشخيصاً واضحاً: على الرغم من الإمكانات الكبيرة، لا يزال ريادة الأعمال الاجتماعية التونسية تعاني من صعوبة في الانطلاق.

لكنه يطرح أيضًا مسارات مستقبلية: لامركزية المبادرات، والتركيز على المناطق المحلية، والاستفادة من ثقافة التضامن السائدة في البلاد. والتحدي كبير: جعل ريادة الأعمال الاجتماعية ليس قطاعًا هامشيًا، بل ركيزة للتنمية الديمقراطية والاقتصادية في تونس.

ايكوتوس

اطلع على الدراسة

"الصعوبات التي واجهت ظهور ريادة الأعمال الاجتماعية في العملية الديمقراطية في تونس: هل الحل يكمن في المناطق؟"، Interventions économiques، العدد 54، 2016.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *