حوكمة من أجل تعزيز الجاذبية: كيف يمكن لجزيرة جربة أن تصبح وجهة استثنائية لا تُقاوَم؟

4 Min Lire

ماذا لو كانت طريقة حوكمة الإقليم تؤثّر بشكل مباشر في قدرته على استقطاب السكان والمستثمرين والسياح؟ بعد عشر سنوات من إطلاق مسار اللامركزية في تونس، يكتسي هذا التساؤل أهمية خاصة على المستوى المحلي.

تُعدّ جزيرة جربة، الواقعة في الجنوب التونسي، وجهة معروفة بشواطئها وتراثها الثقافي ومساجدها البيضاء وأسواقها النابضة بالحياة. غير أنّه، إلى جانب هذا السحر الظاهر، يبرز تحدٍّ استراتيجي يتمثّل في كيفية الحفاظ على جاذبيتها وتعزيزها على المدى الطويل، سواء لفائدة سكانها أو المستثمرين أو الزوّار. ولا يرتبط هذا التحدّي بالصورة التي تعكسها الجزيرة فحسب، بل كذلك بكيفية إدارتها وحوكمتها. وقد سلّطت دراسة ميدانية شملت 40 فاعلًا رئيسيًا في جربة (إطارات إدارية، ومسؤولين جمعيّين، وممثلين عن القطاع الخاص) الضوء على العلاقة الوثيقة بين الحوكمة التشاركية وجاذبية الإقليم.

الحوكمة المحلية واستراتيجية العلامة الترابية: ثنائية لا تنفصل


أصبحت الأقاليم اليوم مطالبة بـ«تسويق» نفسها كعلامة مميّزة، فيما يُعرف بالتسويق الترابي. فالعلامة الناجحة لا تقتصر على شعار أو هوية بصرية، بل تعبّر عن رؤية وهوية مشتركة ورسالة قادرة على جذب الانتباه وتحفيز الرغبة في الزيارة أو الاستثمار أو الاستقرار.

غير أنّ هذه الصورة لا يمكن أن تكون فعّالة إلا إذا استندت إلى حوكمة راسخة. وهنا تبرز أهمية الحوكمة المحلية التي تقوم على تقاسم القرار بين المواطنين، والمنتخبين، والمؤسسات، والجمعيات. وتتيح هذه المقاربة إعداد مشاريع أكثر ملاءمة وواقعية ونجاعة.

وبعبارة أخرى، فإن أيّ استراتيجية للعلامة الترابية تُصاغ دون تشاركية فعلية أو إشراك حقيقي لمختلف الأطراف المعنية تظلّ محدودة الأثر. في المقابل، عندما يساهم الفاعلون المحليون—من مؤسسات وسكان وشركات وجمعيات—في صياغة الرؤية والقيم، تكتسب العلامة مزيدًا من المصداقية والشرعية، ومن ثمّ تصبح أكثر جاذبية.

ما تكشفه الدراسة المنجزة في جربة

تكشف النتائج عن ثلاثة أبعاد متميزة للجاذبية: سكنية، اقتصادية، وسياحية.

  • الجاذبية الاقتصادية: أظهرت الدراسة أنّ الحوكمة أثّرت إيجابيًا بشكل أكبر في هذا المجال، حيث لاحظ أغلب المستجوبين تحسّنًا ملحوظًا.
  • الجاذبية السياحية: أيضًا تمّ الإشارة إلى تحسّن ملموس، خاصة بفضل تعزيز قيمة التراث، والاعتناء بالمناخ، وتحسين البنية التحتية.
  • الجاذبية السكنية: لا تزال متأخرة نسبيًا، إذ لا تزال مشكلات السكن، والبنية التحتية، والبيئة، والخدمات قائمة وبشكل ملحوظ.

وعلى صعيد الحوكمة، يرى بعض الفاعلين المحليين أنّ بعض المبادئ لا تُطبّق بالشكل الكافي، وأبرزها:

  • الشفافية،
  • الديمقراطية التشاركية،
  • المتابعة وتقييم السياسات المحلية.

وبالرغم من أنّ أثر الحوكمة المحلية يُقدَّر إيجابيًا بشكل عام، إلا أنّه لا يزال غير كافٍ لإحداث تغيّرات ملموسة وواضحة في الحياة اليومية.

مُحرّكات للعمل من أجل ترسيخ التغيير

لتعزيز التقدّم وترسيخ التغيير، تبرز أولويتان أساسيتان:

  1. تعزيز ممارسات الحوكمة: لا يزال أسلوب الإدارة في بعض الأحيان مركزيًا أو غير رسمي بما فيه الكفاية. لذا، يجب الانتقال نحو حوكمة بلدية حقيقية وتشاركية، يشارك فيها المواطنون منذ البداية في صياغة المشاريع واتخاذ القرارات.
  2. إعادة النظر في استراتيجية العلامة الترابية: فالعلامة الترابية ليست مجرد شعار، بل مشروع جماعي يعكس القيم، والخصوصيات، والمزايا الحقيقية للمكان. ويجب أن يتم إنتاج هذه العلامة بشكل مشترك بين السكان، والمهنيين في قطاع السياحة، والمؤسسات، والشباب، مع ضمان وضوحها وإمكانية قراءتها لكل من الزوّار والمستثمرين.

علاوة على ذلك، تقدّم تجارب مدن مثل الدار البيضاء، وليون، وآردن، التي نجحت في بناء علامات ترابية قوية مدعومة بحوكمة متماسكة، أمثلة ملهمة يمكن الاستفادة منها لتطوير جربة.

فرحات ميزانأستاذ تكنولوجي أول في المعهد العالي للدراسات التكنولوجية (ISET)، وعضو مخبر LEGI/EPT، جامعة قرطاج- تونس
منى الحنينيناشطة في  المجتمع المدني ونائبةرئيس الغرفة  الفتية الاقتصادية بجربة

الاطلاع على المقال الكامل

"تقييم التآزر بين الحوكمة واستراتيجية العلامة الترابية: نحو مزيد من الجاذبية – حالة جزيرة جربة (تونس)»، منشور في المجلة العلمية Alternatives Managériales Économiques (AME)، المجلد 6، العدد 1، جانفي 2024.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *