تكوين ريادة الأعمال لا يكفي: ما لا تجرؤ الجامعات التونسية على الاعتراف به بعد

7 Min Lire

نُكوّن رواد أعمال… فيصبحون موظفين عموميين. ليس هذا تناقضًا عابرًا، بل واقعًا موثّقًا داخل الجامعات التونسية. فبعد سنوات من الملاحظة داخل ماجستير متخصص في ريادة الأعمال، يبرز استنتاج أساسي: بين نية إنشاء مؤسسة اقتصادية وبين الفعل الفعلي، توجد فجوة حقيقية. وهذه الفجوة لا تصنعها العوامل الاقتصادية وحدها، بل أيضًا الثقافة السائدة.

تتزايد برامج تكوين ريادة الأعمال في تونس منذ أواخر التسعينيات. الفكرة بسيطة: تكوين شباب حاملين للشهادات لإنشاء مواطن شغلهم بأنفسهم، تقليص بطالة أصحاب الشهادات العليا، وتنشيط الاقتصاد. نية إيجابية بلا شك. لكن السؤال الجوهري هو: ماذا يحدث فعلًا بعد التخرج؟ هل يؤسس هؤلاء الطلبة شركات؟ هل يصبحون رواد الأعمال الذين يحتاجهم البلد؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، قامت إيليا طقطق قلال، الأستاذة المساعدة المؤهلة بالمدرسة العليا للتجارة بتونس (ESCT) – جامعة منوبة، مخبر THéMA، ببحث على مدى عدة سنوات داخل ماجستير ريادة الأعمال بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، وهو أول برنامج من نوعه في تونس منذ سنة 2000. وقد نُشرت الدراسة في المجلة الدولية International Journal of Management, Innovation & Entrepreneurial Research، وتعتمد على مقاربة “من الداخل”: متابعة حياة الطلبة اليومية، الاستماع إلى أحاديثهم خارج قاعات الدروس، وفهم دوافعهم الحقيقية للالتحاق بهذا التكوين وما يفعلونه به لاحقًا. والنتائج، في جوانب عديدة، لافتة وتستحق التوقف عندها.

ولفهم هذا التناقض، تنطلق الدراسة من سؤال بسيط: لماذا يختار هؤلاء الطلبة فعليًا هذا الماجستير؟

يدخلون ريادة الأعمال… من أجل شيء آخر

أول نتيجة صادمة في هذا البحث هي أن أغلب الطلبة الملتحقين بهذا الماجستير المتخصص لا يملكون فعليًا نية حقيقية لإنشاء مؤسسة اقتصادية. بل إنهم يلتحقون به لأسباب أخرى، غالبًا ما تكون براغماتية.

فبعضهم لم يتم قبوله في الماجستيرات التي كان يرغب فيها فعليًا. وآخرون يسعون فقط إلى مواصلة الدراسة والحفاظ على صفتهم كطلبة لبضعة أشهر إضافية، إلى حين اتخاذ قرار بشأن مستقبلهم. وهناك من هم موظفون عموميون يسجلون فيه للحصول على شهادة تضمن لهم ترقية شبه آلية. كما يعترف آخرون بصراحة أن هدفهم ليس إنشاء شركة، بل أن يصبحوا أساتذة جامعيين، وهو مسار مهني أكثر استقرارًا ومكانة اجتماعية.

وبالتالي، يُستعمل هذا الماجستير كـ”جسر نحو شيء آخر”، وليس كنقطة انطلاق لمشروع ريادي فعلي.

ثقافة “الوظيفة المستقرة” أقوى من التكوين

هذا الانحراف ليس حالة فردية معزولة، بل يعكس أمرًا أعمق: ثقافة اجتماعية ما تزال فيها ريادة الأعمال ليست خيارًا مُقدّرًا اجتماعيًا بشكل كافٍ، لأنها تُعتبر عالية المخاطر، مُرهِقة، ولا تتماشى مع منطق العلاقة بين الجهد/المردودية/الأمان الذي يُفضَّل عادةً في هذا السياق.

في تونس (كما في العديد من المجتمعات ذات الطابع الجماعي)، تلعب العائلة، والمحيط الاجتماعي، ونظرة الآخرين دورًا حاسمًا في تقييم الخيارات المهنية. وفي هذا السياق، يبقى الموظف العمومي أو الأستاذ الجامعي أعلى مكانة اجتماعية من صاحب المؤسسة الخاصة. فإحداث شركة يعني تحمل المخاطر، وتحمل المخاطرة يعني التعرض للحكم الاجتماعي، وأحيانًا للفشل العلني.

والنتيجة: حتى بعد تكوين متخصص، وحتى بعد تعلم إعداد خطة عمل (Business Plan) واللقاء برواد أعمال، فإن أغلب الطلبة لا يطوّرون نية حقيقية لريادة الأعمال. وبالتالي، لا يحدث الانتقال إلى الفعل. بل إن الحديث عن “فجوة بين النية والفعل” قد لا يكون دقيقًا تمامًا، لأن النية أصلًا لم تكن موجودة في كثير من الحالات.

في المقابل، ما ينتجه هذا التكوين فعليًا هو تعزيز الثقة بالنفس. لكن هذه الثقة تُستعمل غالبًا لتوجيه الطلبة نحو الوظيفة المأجورة أو المسار الأكاديمي الذي كانوا يستهدفونه منذ البداية. وهكذا يتحول تكوين ريادة الأعمال، بشكل مفارق، إلى مسرّع لمسارات مهنية تقليدية.

ومع ذلك، تُظهر الدراسة مفاجأة في الهوامش: بعض الطلبة يشذّون عن هذه القاعدة، وتجاربهم تكشف الكثير عن الإمكانيات الحقيقية لهذا التكوين.

الاستثناءات النادرة: من يَبدؤون دون أن يخططوا مسبقًا

بعض الطلبة – دون خلفية ريادية خاصة، ودون عائلة تعمل في مجال الأعمال، ودون رأس مال أولي – ينطلقون رغم ذلك. وبشكل شبه اندفاعي، دون أن يكون لديهم مشروع ناضج تمت دراسته لأشهر.

غالبًا ما يكون هؤلاء من الذين يشكّكون في قدرتهم على العثور على وظيفة ذات جودة. من الذين يقولون: “ليس لدي ما أخسره، وكل شيء ممكن ربحه”. فيستفيدون من آليات الدعم المالي الموجّهة للشباب خريجي الجامعات، ويعتمدون على شبكاتهم العائلية، وينطلقون في مشاريع صغيرة: مثل صناعة الجبن التقليدي، أو الحلي البسيطة، أو إنتاج المثلجات. مشاريع متواضعة، لكنها حقيقية. مؤسسات قائمة فعليًا.

هذا النمط غير المتوقع يكشف أمرًا مهمًا: الانتقال إلى الفعل ليس دائمًا نتيجة نية مدروسة مسبقًا. أحيانًا يكون غياب البدائل هو ما يدفع إلى خوض التجربة. وفي هذه الحالة، حتى وإن لم تحقق التكوينات هدفها الأساسي، فإنها توفر أدوات، وشبكات علاقات، ودرجة من الشرعية تسمح بالجرأة على البدء.

وهذا يدعو إلى إعادة التفكير في كيفية قياس فعالية هذه البرامج. فالمؤشرات التقليدية (مثل: كم عدد الطلبة الذين يصرّحون بنيتهم إنشاء مشروع بعد التكوين؟) لا تعكس الواقع الحقيقي. فهي تقيس نوايا مُعلنة لا تُلزم أصحابها بشيء، بدل أن تقيس ديناميكيات فعلية.

ما الذي يعنيه ذلك لسياسات التكوين؟

هذه الدراسة ليست انتقادًا لتكوين ريادة الأعمال، بل دعوة إلى مزيد من الواقعية والوضوح.

وتقترح ثلاثة محاور أساسية:

  • تحسين الانتقاء عند الدخول من خلال البحث عن ملفات ذات قابلية ريادية حقيقية
  • مرافقة الطلبة بشكل فردي يتجاوز النتائج الأكاديمية فقط
  • ربط التكوين أكثر بواقع الميدان: رواد أعمال نشطين، حاضنات مشاريع، تجارب نجاح وفشل حقيقية

من الصعب، فعليًا، غرس ثقافة المخاطرة إذا كان المكوِّنون أنفسهم يفضلون الاستقرار. فالتغيير الثقافي لا يُفرض داخل القاعة، بل يُبنى تدريجيًا عبر المثال والتناسق. وربما أيضًا عبر شجاعة الاعتراف بما تنتجه هذه التكوينات فعليًا، لا بما يُفترض أن تنتجه.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة:

“Reconsidering the Entrepreneurial Intention-Action Gap for Students Trained in Entrepreneurship in Tunisia: An Analysis from the Perspective of Sociology of Uses”, من إعداد إيليا طقطق قلال، المدرسة العليا للتجارة بتونس، جامعة منوبة، مخبر THEMA، منشورة في International Journal of Management, Innovation & Entrepreneurial Research، المجلد 6، العدد 2، سنة 2020.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *