مفارقة البطالة في تونس: فهم مفهوم “NAIRU”

4 Min Lire

تعافت تونس اقتصادياً، لكن البطالة ما تزال مرتفعة: لماذا؟ هناك مفهوم قليل المعرفة يساعد على توضيح الصورة، وهو “NAIRU“، أو ما يُعرف بـ “حد أدنى للبطالة”. هذا المؤشر هو أداة أساسية لفهم سبب عدم قدرة النمو الاقتصادي دائماً على خلق فرص العمل.

منذ السبعينيات، تواجه تونس مفارقة: بطالة مرتفعة ومستمرة، إلى جانب تضخم يصعب التحكم فيه. بعد عام 2011، تفاقمت هذه الوضعية، خاصة بين الشباب الحاصلين على الشهادات الجامعية. ولم تنجح السياسات العامة في عكس هذا الاتجاه بشكل مستدام.

لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، هناك مؤشر غالباً ما يغفل عنه العموم ولكنه يكشف الكثير: NAIRU (معدل البطالة الذي لا يسرّع التضخم). يشير هذا المعدل إلى نسبة البطالة التي إذا انخفضت دونها، يبدأ التضخم بالارتفاع بسبب الضغط المتزايد على الأجور.

بمعنى آخر، هذا الحد يعمل كحد غير مرئي: محاولة خفض البطالة دون هذا المستوى غالباً ما تؤدي إلى زيادة الأسعار دون خلق فرص عمل حقيقية. وفي تونس، تُظهر تقديرات NAIRU للفترة 1970-2016 مستوى مرتفعاً بشكل خاص، ويصعب تخفيضه دون إصلاحات جوهرية.

معدل NAIRU مرتفع، والبطالة صعبة التراجع

تعتمد الدراسة على نموذج مبني على منحنى فيليبس، مُكيف مع السياق التونسي. يشمل هذا النموذج التضخم في الأجور، إنتاجية العمل، شروط التبادل التجاري، وغيرها من المتغيرات.

النتائج واضحة:

  • يبلغ معدل NAIRU في تونس متوسط 15.9٪،
  • ويتجاوز معدل البطالة الفعلي خلال معظم الفترة،
  • ويتغير وفقاً للدورات الاقتصادية والسياسية،
  • ويتأثر بشروط التبادل التجاري، لكنه غير حساس لمكاسب الإنتاجية.

بمعنى آخر، يواجه الاقتصاد التونسي صعوبة في تحويل أدائه إلى خلق وظائف. هذه التركيبة تحد من أثر السياسات التقليدية للتحفيز الاقتصادي: حتى في فترات النمو أو الاستثمارات العامة، تبقى البطالة صعبة التراجع.

الجمود الهيكلي الذي يعيق التشغيل

يُفسّر الفارق المستمر بين NAIRU ومعدل البطالة الفعلي بوجود جمود هيكلي عميق في الاقتصاد.

من أبرز مظاهر هذا الجمود:

  • عدم التوافق بين التكوين وسوق الشغل،
  • زيادات في الأجور غير مرتبطة بالإنتاجية،
  • بطالة واسعة بين الحاصلين على الشهادات الجامعية، خصوصاً النساء: حيث تصل إلى 34٪ بين الحاصلات على الشهادات مقابل 20٪ لدى نظرائهن الذكور خلال الفترة 2011-2017.

تؤدي هذه الاختلالات إلى ظاهرة تُعرف باسم الهستيريزيس: أي أن البطالة تصبح قاعدة جديدة، حتى عندما يبدأ الاقتصاد في التعافي. وهذا يزيد من صعوبة تحقيق نتائج فعّالة للسياسات التحفيزية قصيرة المدى.

خفض NAIRU: ما هي السبل الممكنة؟

لخفض معدل NAIRU بشكل مستدام، يجب تجاوز الحلول اللحظية والمحدودة، وإجراء تحول هيكلي في نموذج الاقتصاد الوطني.

عدة أدوات للإصلاح يمكن التركيز عليها:

  1. تعزيز الإنتاجية في القطاعات الرئيسية، لا سيما من خلال الابتكار،
  2. تكييف النظام التعليمي مع احتياجات سوق العمل،
  3. تشجيع التصنيع ذي القيمة المضافة العالية،
  4. تحديث النظام البنكي لدعم الاستثمار بشكل أفضل،
  5. الحد من الفوارق الإقليمية،
  6. إقامة رابط أقوى بين البحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية.

تتطلب هذه الإصلاحات رؤية طويلة المدى وإرادة سياسية متسقة.

يكشف تحليل NAIRU عن واقع غالباً ما يغيب عن المؤشرات التقليدية: حتى مع ارتفاع البطالة، تظل تونس تمتلك هامش مناورة محدود لخفضها دون إجراء إصلاحات عميقة. إنّ التدخل لمعالجة الأسباب الهيكلية مثل الإنتاجية، التعليم، والمؤسسات الاقتصادية، هو أمر جوهري. بدون ذلك، يواجه البلد خطر البقاء محاصراً في دائرة تتغذى فيها البطالة والتضخم على بعضهما البعض، دون تحقيق أي تحسن مستدام.

هاجر الورداني أستاذة مساعدة، المعهد العالي للإدارة، جامعة تونس
معز سوسي أستاذ مساعد، كلية العلوم الاقتصادية  والتصرف بصفاقس، جامعة صفاقس

الاطلاع على الدراسة

The NAIRU in Tunisia: Determinants, measurement and policy implications”, publiée dans Région et Développement (n°52, 2020)". 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *