يشهد قطاع السياحة اليوم تحوّلًا كبيرًا بفضل الذكاء الاصطناعي. ففي العديد من البلدان، تساهم هذه التكنولوجيا بالفعل في تحسين تجربة المسافرين في مختلف مراحل الرحلة: قبل السفر، وأثناء الإقامة، وحتى بعد العودة.
أصبح التخطيط لرحلة قصيرة، أو حجز فندق، أو استكشاف مدينة عبر الهاتف الذكي، أو الحصول على نصائح مخصصة، أمورًا أكثر سهولة بفضل الأدوات الذكية. كما تمكّن هذه التقنيات المهنيين في القطاع من توقّع احتياجات الزوار، وإدارة تدفّق السياح بشكل أفضل، وتكييف خدماتهم في الوقت الفعلي.
غير أن المنتدى الاقتصادي العالمي يؤكد على نقطة أساسية: نجاح هذا التحول يتطلب أيضًا الاستثمار في المهارات البشرية. فالابتكار لا ينبغي أن يحلّ محل الإنسان، بل أن يثري دوره ويعززه.
رحلات أسهل وأكثر تخصيصًا
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية للسياحة في العديد من أنحاء العالم. ومن بين الأمثلة الملموسة:
- المساعدات الافتراضية (Chatbots) التي تجيب عن أسئلة المسافرين على مدار الساعة وبعدة لغات؛
- الواقع المعزز الذي يثري الزيارات السياحية عبر تطبيقات الهاتف المحمول؛
- الأجهزة المتصلة بالإنترنت التي تتيح التحكم في غرفة الفندق عبر جهاز لوحي أو بالأوامر الصوتية؛
- الخوارزميات التنبؤية التي تساعد على توزيع تدفق الزوار حسب الفترات لتجنب الاكتظاظ.
وفي مطارات مثل سنغافورة (شانغي) أو طوكيو (هانيدا)، يُستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل لتسهيل حركة المسافرين، وتسريع إجراءات التفتيش الأمني، والتعرّف على الوجوه بشكل آلي. وتساهم هذه الحلول في تحسين تجربة المسافرين ورفع كفاءة الخدمات في الوقت نفسه.

دول تراهن على الابتكار السياحي
اختارت بعض الدول بالفعل جعل الذكاء الاصطناعي رافعة أساسية لإعادة التفكير في نموذجها السياحي.
- في فرنسا، يجمع برنامج France Tourisme Lab عدة حاضنات متخصصة. وفي باريس، مكّن Welcome City Lab عشرات الشركات الناشئة من تطوير حلول مبتكرة، مثل المساعدات الصوتية للزوار، وأدوات إدارة تدفق السياح في المواقع الثقافية، والحلول الرقمية لتثمين التراث.
- في المغرب، دعم Technopark في الدار البيضاء أكثر من 3500 شركة ناشئة، مما ساهم في خلق أكثر من 15 ألف فرصة عمل. كما تشجع فعاليات مثل WISE Accelerator Bootcamp الشباب على الابتكار في مختلف القطاعات، بما في ذلك السياحة.
- في إسبانيا والإمارات العربية المتحدة، تعمل السلطات على تطوير أدوات تنبؤية لإدارة استقبال الزوار بشكل أفضل، وإنشاء نماذج رقمية للوجهات السياحية، وتحليل سلوك السياح.
وتبيّن هذه التجارب أن الابتكار، إذا اقترن برؤية واضحة، يمكن أن يجعل السياحة أكثر سلاسة وجاذبية واستدامة.
بناء منظومة ابتكار حول TourTech
لا تنطلق تونس من الصفر. فهي تمتلك بالفعل شبكة من التكنوبولات النشطة، وكفاءات رقمية واعدة، وقطاعًا سياحيًا راسخًا. غير أنه للاستفادة الكاملة من التحول الرقمي، من الضروري تنظيم منظومة ابتكار مخصّصة لتكنولوجيا السياحة.
وفي هذا الإطار تبرز فكرة إنشاء TourTech، وهي حاضنة وطنية متخصصة في التقنيات المطبّقة على السياحة.
وسيكون من بين مهام هذه الحاضنة:
- احتضان الشركات الناشئة التونسية التي تطور حلولًا مبتكرة (الذكاء الاصطناعي، الواقع المعزز، الأدوات التنبؤية وغيرها)؛
- تعزيز التعاون بين المطورين والباحثين والجهات الفاعلة في قطاع السياحة والسلطات العمومية؛
- توفير وصول أسهل إلى التمويل المتخصص، وإلى قواعد البيانات المفتوحة، وإلى شبكات دولية.

وبفضل الهياكل الموجودة بالفعل، مثل الشركة التونسية للتكنوبولات (S2T)، يمكن أن يصبح هذا المشروع عمليًا في وقت قصير. وقد يشكل TourTech رافعة مهمة لتنشيط ريادة الأعمال المحلية، وتحديث السياحة التونسية، وتعزيز جاذبيتها على الصعيد الدولي.
ولا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد أداة تقنية. فإذا استُخدم بشكل جيد، يمكن أن يحوّل تجربة السياحة في تونس، ويجعلها أكثر سلاسة وذكاءً، وأكثر استدامة أيضًا.
ومن خلال إنشاء حاضنة مثل TourTech، تتاح لتونس فرصة الرهان على الابتكار المحلي، ودعم شركاتها الناشئة، وتقديم تجربة سفر جديدة؛ أكثر حداثة واستدامة، مع الحفاظ دائمًا على الإنسان في قلب المنظومة.
IACE – المعهد العربي لرؤساء المؤسسات