تُعدّ اللوجستية عنصرًا أساسيًا في عمل الاقتصادات الحديثة، لكنها في الوقت ذاته من أكثر القطاعات المساهمة في انبعاثات الغازات الدفيئة. وبعد أن ظلّ تأثيرها البيئي لفترة طويلة في المرتبة الثانية من الاهتمام، أصبح اليوم قضية محورية في مسار التنمية المستدامة. وتُسهم الأبحاث في مجال اللوجستية الخضراء في تحديد آليات عملية للتوفيق بين الأداء الاقتصادي والتحول البيئي.
اللوجستية حاضرة في كل مكان؛ فهي تربط المصانع بالأسواق، والموانئ بالمدن، والمنتجين بالمستهلكين. وقد رافق تطورها السريع ظاهرة العولمة ونمو التجارة الدولية وارتفاع حجم السلع المنقولة. غير أنّ هذه الديناميكية لها كلفة بيئية مرتفعة.
يمثّل قطاع النقل نحو ربع الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون. ومن دون إحداث تحوّل في النماذج الحالية، يُتوقّع أن تستمر انبعاثات نقل البضائع في الارتفاع. وفي هذا السياق، تبرز اللوجستية الخضراء تدريجيًا كخيار استراتيجي، إذ تهدف إلى الحفاظ على كفاءة القطاع اقتصاديًا مع الحدّ من تأثيره البيئي.
كما يتيح تحليل مسارات الدول الصاعدة والدول المنتجة للطاقة، ولا سيما دول مجموعة «بريكس» ودول الخليج، فهمًا أعمق لأسباب تحوّل اللوجستية الخضراء إلى رهان أساسي ضمن أجندة التنمية المستدامة.

نشاط أساسي… لكنه شديد التلوّث
تدعم اللوجستية مسار التصنيع والتجارة واندماج الاقتصادات ضمن سلاسل القيمة العالمية. غير أنّها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الطاقات الأحفورية، خاصة في النقل البري والبحري والجوي.
وتُعدّ الانبعاثات الناتجة عن نقل البضائع مصدرًا رئيسيًا لتلوّث الهواء، إذ تسهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، كما تؤدي إلى تدهور جودة الهواء وزيادة المخاطر الصحية. وفي العديد من الاقتصادات الصاعدة الكبرى، رافق الارتفاع السريع في التدفقات اللوجستية زيادة ملحوظة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وأمام هذه المعطيات، أصبح من الواضح أنّ مواصلة تطوير القطاع اللوجستي وفق النماذج التقليدية لم يعد خيارًا مستدامًا. ومن ثمّ، تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال نحو ممارسات أكثر احترامًا للبيئة.
اللوجستية الخضراء: رافعة للتوفيق بين النمو والبيئة
تشمل اللوجستية الخضراء مجموعة الممارسات التي تهدف إلى الحدّ من الأثر البيئي للأنشطة اللوجستية. وهي لا تقتصر على النقل فقط، بل تمتدّ إلى التخزين، وإدارة التدفقات، والتغليف، وتنظيم سلاسل الإمداد.
ولا يتمثّل الهدف في كبح النشاط الاقتصادي، بل في جعله أكثر كفاءة واستدامة. إذ يمكن لتنظيم لوجستي أفضل، وأكثر ترشيدًا لاستهلاك الطاقة، وقائم على الابتكار، أن يساهم في تقليص الانبعاثات مع تحسين الأداء العام للقطاع.
وتُظهر نتائج الأبحاث أنّ هناك عدة عوامل تدعم هذا التحوّل. فالنمو الاقتصادي يمكن أن يسهّل اعتماد ممارسات أكثر استدامة من خلال دعم الاستثمار في بنى تحتية أنظف. كما تلعب الابتكارات الخضراء، لا سيما عبر التكنولوجيات والبراءات المرتبطة بالبيئة، دورًا حاسمًا. وأخيرًا، يساهم الاعتماد على الطاقات المتجددة في الحدّ من التبعية للوقود الأحفوري.

مسارات مختلفة حسب الجهات
لا تسلك عملية الانتقال نحو لوجستية أكثر استدامة نفس المسارات في مختلف الأقاليم. ففي دول مجموعة «بريكس»، يرتبط النمو الاقتصادي والابتكار الأخضر بتحسّن أداء اللوجستية الخضراء. ومع مواجهة هذه الاقتصادات لمستويات مرتفعة من الانبعاثات، فإنها تدمج تدريجيًا ممارسات أكثر احترامًا للبيئة.
أمّا في دول الخليج، فتبدو الصورة أكثر تباينًا. إذ لا تزال التبعية الكبيرة للطاقات الأحفورية وارتفاع مستويات الانبعاثات للفرد الواحد يحدّان من الآثار الإيجابية للجهود المبذولة. وعلى الرغم من تبنّي استراتيجيات لتنويع الاقتصاد، فإنّ تزايد الانبعاثات المرتبطة بالنقل يعيق تطوّر اللوجستية الخضراء.
وتُبرز هذه الفوارق أهمية الخيارات الطاقية، والسياسات العمومية، والهياكل الاقتصادية في إنجاح مسار الانتقال.

تحويل اللوجستية لإنجاح الانتقال المستدام
لم تعد اللوجستية الخضراء مفهومًا حكرًا على المختصين، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة. فمن خلال تقليص الانبعاثات، وتحسين الكفاءة الطاقية، وإدماج الابتكار، تتيح هذه المقاربة التوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. وتُظهر الدروس المستخلصة من تجارب دول «بريكس» ودول الخليج أنّ هذا الانتقال ممكن، لكنه يتطلّب سياسات منسجمة، واستثمارات موجّهة، ورؤية طويلة المدى. ولتحقيق الأهداف المناخية، لم يعد تحويل القطاع اللوجستي خيارًا، بل أصبح ضرورة ملحّة.
منال العوني – المعهد العالي للنقل واللوجستيك بسوسة، جامعة سوسة
خالد بن عبد الله- المعهد العالي للنقل واللوجستيك بسوسة، جامعة سوسة
اللاطلاع على المقال
"Environmental sustainability and green logistics, publié dans la revue Sustainable Development (John Wiley & Sons Ltd.)".