جربة: مختبر للسياحة العادلة والشاملة

5 Min Lire

في ظلّ تنامي ظاهرة السياحة الجماعية وما قد تنجرّ عنها من آثار سلبية، يبرز نموذج السياحة الاجتماعية والتضامنية كخيار بديل يضع الإنسان والثقافة والاستدامة في صميم اهتماماته. وتُعدّ جزيرة جربة، بما تزخر به من رصيد حضاري ثريّ وقيم ضيافة متجذّرة، مجالًا ملائمًا لتجسيد هذا التوجّه، إذ يُسهم في تعزيز الإدماج الاجتماعي، وصون الموروث الثقافي، وتحقيق تنمية أكثر توازنًا واستدامة.

تتميّز السياحة الاجتماعية والتضامنية عن السياحة الجماعية بسعيها إلى إعادة الإنسان إلى صدارة التجربة السياحية. فهي تقوم على مبادئ اللقاء والتبادل وتثمين الموارد المحلية، مع الحرص على إتاحة السفر لشريحة أوسع من الأفراد، بما في ذلك ذوو الدخل المحدود.

ويكتسي هذا النموذج في جزيرة جربة أهمية خاصة، إذ يُسهم في تنويع العرض السياحي، وحماية بيئة هشّة، وتحقيق عائدات اقتصادية مباشرة لفائدة المجتمعات المحلية.

سياحة في خدمة المجتمعات المحلية


لا تقتصر السياحة الاجتماعية والتضامنية على استقبال الزوّار فحسب، بل تسعى إلى إرساء حلقة تنموية متكاملة تعود منافعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مباشرة على السكان. وفي جربة، يرتكز هذا النموذج على مبادرات محلية تُشرك الحرفيين، والفلاحين، والجمعيات الثقافية، والعائلات المضيفة. ويعمل هؤلاء الفاعلون بشكل تكاملي لتقديم تجارب أصيلة، مثل الإقامة لدى السكان، وتنظيم ورشات الحرف التقليدية، ومسارات لاكتشاف العادات والتقاليد المحلية.

بعيدًا عن المجمعات الفندقية الكبرى ذات الطابع النمطي، تقوم هذه العروض على هياكل صغيرة ذات بعد إنساني، تعيد استثمار عائداتها داخل المجتمع المحلي. ويساهم ذلك في دعم مواطن شغل مستدامة، والحفاظ على المهارات الحرفية، وتعزيز التماسك الاجتماعي.

الحفاظ على البيئة والتراث


من خلال الارتكاز على مبادئ الاستدامة، تُسهم السياحة الاجتماعية والتضامنية في حماية الموارد الطبيعية وصون التراث الثقافي. وتتميّز جزيرة جربة بنظام بيئي هشّ يتعرّض لضغوط السياحة المكثّفة، من بينها تآكل السواحل، وندرة الموارد المائية، وتزايد النفايات.

ويشجّع هذا النموذج اعتماد ممارسات مسؤولة، مثل الإقامات البيئية، وترشيد استهلاك المياه، والاعتماد على سلاسل التزويد القصيرة في التغذية، إلى جانب أنشطة ذات بصمة كربونية منخفضة.

وعلى الصعيد الثقافي، يعزّز هذا التوجّه تثمين التراث اللامادي، من خلال إبراز فنون الطهي المحلية، والموسيقى، والصناعات التقليدية، والهندسة المعمارية التراثية. وتتحوّل هذه العناصر إلى موارد اقتصادية حقيقية، مع الإسهام في ترسيخ الهوية الثقافية للجزيرة.

التحديات المطروحة أمام ازدهار السياحة الاجتماعية والتضامنية


رغم الإمكانات الواعدة لهذا النموذج في جربة، فإن تطويره يظلّ رهين تجاوز جملة من العوائق الهيكلية. ومن أبرز هذه التحديات:

  • ضعف الظهور: لا تزال السياحة الاجتماعية والتضامنية غير معروفة على نطاق واسع لدى العموم ولدى منظّمي الرحلات الدوليين.
  • محدودية البنية التحتية: تعاني بعض المناطق الريفية من نقص في التجهيزات الضرورية لاستقبال الزوّار في ظروف ملائمة.
  • نقص التكوين: يحتاج الفاعلون المحليون إلى تعزيز مهاراتهم في مجالات التسيير، والتسويق، والاستقبال السياحي.
  • ضعف التنسيق المؤسسي: غياب رؤية شاملة لتنظيم هذا القطاع وتشجيع الشراكات.

توصيات لتعزيز السياحة الاجتماعية والتضامنية في جربة


توجد عدة مسارات عملية من شأنها جعل هذا النموذج رافعة حقيقية للتنمية المحلية:

  1. تعزيز الترويج لهذا النمط السياحي لدى الزوّار المحليين والدوليين عبر حملات موجهة.
  2. تطوير كفاءات الفاعلين المحليين من خلال التكوين في اللغات، والتسيير، والتقنيات الرقمية.
  3. ربط مختلف المبادرات القائمة ضمن شبكة متكاملة لخلق عرض سياحي منسجم وتنافسي.
  4. ملاءمة الإطار القانوني للاعتراف بهذا القطاع وتوفير دعم مؤسسي له.
  5. تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل البنية التحتية وتحسين جودة الاستقبال.

تمثّل السياحة الاجتماعية والتضامنية فرصة حقيقية لجزيرة جربة لتعزيز موقعها كوجهة مستدامة، شاملة، ومتصالحة مع هويتها. ومن خلال دعم التكوين، والترويج، وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين، يمكن لهذا النموذج أن يصبح محرّكًا فعّالًا للتنمية المحلية، يجمع بين خلق القيمة الاقتصادية والحفاظ على البيئة وصون التراث الثقافي.

فرحات ميزان – أستاذ تكنولوجي أول في المعهد العالي للدراسات التكنولوجية (ISET)
منى الحنينيناشطة في  المجتمع المدني ونائبة رئيس الغرفة  الفتية الاقتصادية بجربة

الاطلاع على الدراسة

السياحة الاجتماعية والتضامنية: تصوّرات الفاعلين ورهاناتها في المجال الترابي- حالة جزيرة جربة (تونس)»، منشورة في فيفري 2023 ضمن مجلة Alternatives Managériales et Économiques) الترقيم الدولي الإلكتروني: 2665-7511.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *