تعيش تونس اليوم إحدى أكثر الفترات حرجًا في تاريخها المائي. فالسدود تشهد تراجعًا ملحوظًا في مخزونها، وفترات الجفاف تطول، ودرجات الحرارة تبلغ مستويات قياسية. ومع تسارع الأزمات، يطرح سؤال ملحّ نفسه: هل نحن مستعدون لمواجهة العقد الأكثر حرارةً وجفافًا على الإطلاق؟
تواجه تونس تغيرًا مناخيًا يهدد بشكل مباشر أمنها المائي والغذائي، وهما ركيزتان أساسيتان لاستقرارها الاقتصادي والاجتماعي. إن تضافر موجات الجفاف المتكررة، ودرجات الحرارة القصوى، والانخفاض المستمر في كميات التساقطات، يؤدي إلى إضعاف السدود وشبكات التوزيع والإنتاج الفلاحي، مما يعرّض ملايين المواطنين لمخاطر متزايدة من نقص الموارد والانقطاعات.
تشمل هذه الوضعية كامل أنحاء البلاد: صانعو القرار العمومي الذين يتعين عليهم استباق الأزمة، والفلاحون الذين تعتمد سبل عيشهم على المياه، والمؤسسات المتأثرة باضطرابات التزويد، وكذلك الأسر التي تعاني بالفعل من آثار هذه الأزمة في حياتها اليومية. وأصبح التحرك السريع ضرورة ملحّة لحماية السكان، وصون الاقتصاد، وضمان نفاذ عادل ومستدام إلى المياه والغذاء.

ضغوط تتراكم وتشتد
تعاني تونس من إجهاد مائي-مناخي يتجلّى على عدة جبهات، ويُضعف تدريجيًا مواردها المائية. فقد تراجعت واردات السدود بفعل موجات الجفاف المتعاقبة، مع تذبذبات حادة تتراوح بين 0.5 و0.8 كيلومتر مكعب في السنوات الجافة، و1.8 إلى 2 كيلومتر مكعب في السنوات الرطبة، مما يجعل أي عملية تخطيط أمرًا بالغ الصعوبة.
ويواصل القطاع الفلاحي، الذي يستهلك حوالي 60% من إجمالي المياه المُعبّأة منذ سنة 1995، فرض ضغط كبير على مورد محدود أصلًا، في حين تُفاقم موجات الحرارة الشديدة، التي تتجاوز في كثير من الأحيان 48–49 درجة مئوية، من معدلات التبخر وجفاف التربة. ويُضاف إلى ذلك تزايد اضطرابات خدمات التزويد، مثل الانقطاعات المتكررة للمياه التي تم تسجيلها في عدة مناطق. ويُفرز هذا الوضع معضلة هيكلية تتمثل في طلب جامد ومتزايد في مقابل عرض يزداد تقييدًا بفعل التغيرات المناخية.
خطر وشيك: أمن مائي وغذائي هشّ
مع أقل من 500 متر مكعب من المياه للفرد، تقع تونس بالفعل دون عتبة الندرة المطلقة، مما يعرّضها مباشرةً لخطر أزمة مائية حادة. ويؤدي هذا العجز المزمن إلى إضعاف الإنتاج الفلاحي، الذي أصبح شديد الحساسية للصدمات الحرارية، كما يضع شبكات التوزيع المتقادمة تحت ضغط كبير، حيث تتجاوز نسبة الفاقد في بعض الأحيان 40%.
وتتحمل الأسر تبعات هذا الضغط، خاصة من خلال الانقطاعات المتكررة وعدم اليقين المتزايد بشأن النفاذ إلى المياه. بل إن الاستقرار الاجتماعي نفسه بات مهددًا، باعتبار أن المياه تؤثر بشكل مباشر في أسعار المواد الغذائية، والتشغيل في المناطق الريفية، وقدرة المجتمعات على الصمود.
وضعية قد تصبح غير قابلة للعكس

تُظهر الاتجاهات المسجّلة أن الضغط المناخي يتسارع بوتيرة تفوق قدرات التكيّف في البلاد. فموجات الجفاف المطوّلة، ودرجات الحرارة القصوى، والانخفاض المستمر في كميات الأمطار، تقلّص عامًا بعد عام هامش التحرّك لحماية الفلاحة والأسر والبنية التحتية. وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد السؤال ما إذا كان الخطر قائمًا، بل كم من الوقت تبقّى لتونس قبل أن تتحول هذه الأزمة إلى وضع غير قابل للعكس.
ولمواجهة حالة الطوارئ المائية واستباق الأزمات المقبلة، يتعيّن على تونس إحداث تغييرات سريعة وهيكلية. فعلى المدى القصير، تتمثل الأولوية في الحدّ بشكل كبير من فاقد المياه الذي يُضعف شبكات الري ومياه الشرب. ومن شأن إطلاق برنامج وطني لصيانة وتجديد البنية التحتية أن يمكّن من استرجاع ما يصل إلى 30% من المياه المهدورة حاليًا، بما يعود بالنفع المباشر على الأسر والفلاحين والمناطق الأكثر عرضة.
وبالتوازي، فإن إحداث أربع إلى خمس محطات نموذجية لتحلية المياه في الوسط والجنوب، تعمل بالطاقة الشمسية ويتم تمويلها عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، من شأنه أن يوفّر مصدر تزويد جديدًا وأساسيًا لضمان استدامة الري ومياه الشرب.
أما على المدى الطويل، فعلى تونس إعادة التفكير في إدارة مواردها المائية من خلال تحسين نجاعة استعمال المياه في القطاع الفلاحي، وتحديث أنظمة الري، وتطوير إعادة استعمال المياه المعالجة، وفرض رقابة صارمة على استغلال الموائد المائية. كما يُعدّ دعم فلاحة أكثر صمودًا أمرًا أساسيًا، تقوم على زراعات مقتصدة في استهلاك المياه، وتنويع الأنشطة الريفية، وتوفير مرافقة خاصة لصغار الفلاحين والنساء في الأرياف.
ويجب أن تندرج هذه الجهود ضمن مقاربة شاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية، وحوكمة منسّقة بين مختلف القطاعات، وأنظمة إنذار مبكر، وتعزيز التعاون الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد المشتركة عبر الحدود وتطوير مشاريع مشتركة.
وتُعدّ هذه التحولات، التي تتطلب تعبئة الدولة والجماعات المحلية والفلاحين والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، رافعات أساسية لتعزيز الأمن المائي والغذائي للبلاد بشكل مستدام.
ماذا يجب على تونس أن تفعل الآن؟ الإجراءات ذات الأولوية

يجب التحرّك الآن: لم يعد الجمود خيارًا
لا تواجه تونس مجرّد توقعات مقلقة، بل إن الأزمة أصبحت واقعًا قائمًا بالفعل: سدود لا تتجاوز ثلث طاقتها الاستيعابية، ودرجات حرارة قصوى، وقطاع فلاحي هشّ، وأسر أنهكتها الانقطاعات المتكررة، وطلب متزايد على المياه دون توقف. ولتفادي أزمة مائية وغذائية كبرى، قد تكون لها تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، يتعيّن على البلاد التحرّك فورًا، بشكل منسّق ومتكامل وطموح.
هدى بوبكر، أستاذة مساعدة في المناهج الكمية بـالمدرسة المتوسطية للأعمال (MSB)– مخبر البحث MASE (LR21ES21) & EPI Lab.هشام المديوني، أستاذ مساعد في المناهج الكمية بـالمدرسة المتوسطية للأعمال (MSB) – مخبر البحث MASE (LR21ES21) & EPI Lab.
للاطلاع على ورقة السياسات الصادرة عن مؤسسة SMU
"La Tunisie en danger : une menace climatique et des crises hydriques et alimentaires détectées".