يُحوّل الذكاء الاصطناعي بالفعل اقتصاداتنا، وإداراتنا، وحياتنا اليومية. وبالنسبة لتونس، يمثل في آنٍ واحد تحديًا وفرصة فريدة: التموقع ضمن الثورة الرقمية العالمية، مع تحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
يشهد العالم ثورة رقمية غير مسبوقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبينما سبقت بعض الدول في هذا المجال، وضعت تونس أيضًا أسسًا واعدة. لكن للمضي قدمًا، لا بد من رؤية واضحة ومشتركة: استراتيجية وطنية تضع الذكاء الاصطناعي في صميم التنمية.
اليوم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وعد بعيد، بل أصبح واقعًا قائمًا. وعلى تونس أن تحوّل هذا التحدي إلى فرصة لتحديث خدماتها، وخلق وظائف جديدة، وتعزيز قدرتها التنافسية على الساحة العالمية.
تطورات مشجعة، لكنها لا تزال هشة
لم تقف تونس موقف المتفرج أمام هذه الثورة الرقمية. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت عدة مبادرات مهمة:
- قانون الشركات الناشئة (Startup Act)، الذي تم اعتماده سنة 2018، وقد أعطى دفعة قوية للمنظومة الريادية. إذ ظهرت أكثر من 1000 شركة ناشئة منذ ذلك الحين، من بينها حوالي 200 تطوّر حلولًا قائمة على الذكاء الاصطناعي.
- مبادرة Smart Tunisia، التي عززت مكانة تونس كقطب إقليمي للخدمات الرقمية.
- كما خطت الإدارة التونسية خطوة مهمة من خلال إرساء خدمات إلكترونية، مثل “E-Houwiya”، وهي بطاقة هوية رقمية تسهّل النفاذ إلى الخدمات العمومية.

تعكس هذه التطورات إرادة واضحة نحو التحديث. ومع ذلك، لا تزال الطريق طويلة: فبين سنتي 2020 و2024، تراجعت تونس في عدة تصنيفات دولية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والابتكار. ويُعد نقص الاستثمارات في البحث العلمي، وضعف البنية التحتية الرقمية، وقلة الكفاءات المتخصصة من أبرز العوائق التي تُبطئ هذا الزخم.
ثلاث أولويات لتونس المستقبل
لكي يصبح الذكاء الاصطناعي محركًا للتنمية الوطنية، تبرز ثلاثة محاور أساسية:
- تعزيز السيادة الرقمية والبنية التحتية:
ويتطلب ذلك إنشاء مركز وطني للبيانات، وتوسيع انتشار الألياف البصرية وشبكات الجيل الخامس (5G)، إلى جانب تعزيز أمن المعطيات العمومية. - الاستثمار في رأس المال البشري:
لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتطور دون كفاءات مؤهلة. ويشمل ذلك إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية والجامعية، وإنشاء معهد متخصص، واستقطاب الكفاءات التونسية بالخارج. - دعم البحث والابتكار:
من شأن إنشاء صندوق وطني للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تمويل مشاريع البحث، بالشراكة مع الجامعات والقطاع الخاص. والهدف هو تحفيز إنشاء شركات ناشئة مبتكرة، واستكشاف الأبعاد الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي.

لماذا تُعد هذه الاستراتيجية حاسمة؟
إن اعتماد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي ليس خيارًا كماليًا، بل هو ضرورة. إذ يمكن لتونس أن تعزز من قدرتها التنافسية، وقابليتها لجذب المستثمرين، والأهم من ذلك تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. كما تمثل هذه الاستراتيجية فرصة لخلق آفاق اقتصادية جديدة وضمان موقع للبلاد ضمن الثورة التكنولوجية العالمية.
ومن دون استثمارات موجهة، ورؤية مشتركة، وتنسيق بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، يكمن الخطر في البقاء مجرد متفرج على قطار يسير بسرعة فائقة.
إن الذكاء الاصطناعي لم يعد وعدًا بعيدًا، بل أصبح واقعًا قائمًا. وبالنسبة لتونس، لم يعد السؤال هل يجب أن ننخرط فيه، بل كيف نفعل ذلك. فاستراتيجية وطنية واضحة، طموحة وشاملة، أصبحت ضرورية لتحويل التحديات إلى فرص وكتابة صفحة جديدة في مسار تنمية البلاد.
زيد الشعلان – باحث ومحلل في الجيوسياسة والبحث