بين الأداء العام والفجوات الإقليمية: ماذا يخبرنا فعلاً النظام الصحي التونسي؟

5 Min Lire

على مدى عدة عقود، بنت تونس نظامًا صحيًا معترفًا بتقدمه: ارتفاع متوسط العمر المتوقع، انخفاض وفيات الأطفال، وتوسيع التغطية الصحية. ومع ذلك، تختفي وراء هذه التقدمات تفاوتات كبيرة. حسب المناطق، يختلف الوصول إلى الرعاية الصحية، وجودة الخدمات، وفرص العيش بصحة جيدة بشكل واضح. هذه الوضعية تطرح أسئلة حول حوكمة القطاع وقدرة النظام على ضمان العدالة في جميع أنحاء البلاد.

تحتل الصحة مكانة مركزية في مشروع التنمية التونسي منذ الاستقلال. فهي حق أساسي منصوص عليه منذ دستور 1959 وأعيد تأكيده في 2014، ويستند إلى مبدأ بسيط لكنه جوهري: الوصول إلى الرعاية الصحية للجميع. على الرغم من الموارد المالية المحدودة، لطالما اعتُبر النظام التونسي فعّالًا، جامعًا بين القطاع العام المهيمن وقطاع خاص متنامٍ.

تؤكد المؤشرات الوطنية هذه التقدمات: انخفاض وفيات الأطفال، زيادة متوسط العمر المتوقع، وتوسيع التغطية الصحية. لكن هذه المتوسطات تخفي تفاوتات إقليمية كبيرة. من منطقة إلى أخرى، قد تكون الفجوات واضحة في البنية التحتية، والكوادر الطبية، والتجهيزات، وجودة الرعاية.

يقترح هذا المقال قراءة مبسطة لموضوع محوري في الحوكمة العامة: كيف يمكن لنظام صحي أداءه العام جيد أن ينتج هذا الكم الكبير من التفاوتات الإقليمية؟

نظام صحي منظم، لكنه تحت ضغط

يعتمد النظام الصحي التونسي على تنظيم هرمي من ثلاثة مستويات.

  • المستوى الأول: مراكز الرعاية الصحية الأساسية والمستشفيات المحلية، يهدف إلى تقريب الخدمات الصحية من المواطنين.
  • المستوى الثاني: المستشفيات الجهوية، توفر رعاية أكثر تخصصًا.
  • المستوى الثالث: المستشفيات الجامعية، التي تتركز في المدن الكبرى.

تعزز هذا الهيكل تدريجيًا: فقد زاد عدد المنشآت العامة، وكذلك الأطر الطبية وشبه الطبية. تحولت تونس من نقص في الموارد الطبية إلى بلد يضم عددًا كبيرًا من المتخصصين في الصحة، وتحسن نسبة عدد السكان لكل طبيب بشكل ملحوظ.

مع ذلك، ترافق هذه التقدمات الكمية توترات واضحة. يعتمد تمويل النظام بشكل متزايد على الأسر، التي تتحمل جزءًا كبيرًا من النفقات، خصوصًا في حالات الأمراض المزمنة أو الخطيرة. كما تبقى توزيعات الأطر الصحية غير متوازنة: فبعض المناطق مزودة جيدًا، بينما تظل أخرى ضعيفة بشكل مستمر. النظام يعمل، لكنه يعمل بطريقة غير متوازنة.

فجوات إقليمية متجذرة بعمق

تشكل الفجوات الإقليمية أحد أبرز الملاحظات. تتركز المناطق الساحلية، وخصوصًا الكبير تونس والمنطقة الوسطى الشرقية، على معظم الأطباء المختصين، المعدات الثقيلة والمستشفيات الجامعية. بالمقابل، تعاني المناطق الداخلية من نقص في الأطر الطبية، عدد أقل من الأسرة وبُنى تحتية غالبًا غير مجهزة بما يكفي.

تنعكس هذه الفوارق في مؤشرات الصحة: فمعدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات تبقى مرتفعة بشكل ملحوظ في بعض مناطق الداخل. بمعنى آخر، ما زال مكان الولادة يؤثر بقوة على فرص البقاء بصحة جيدة.

كما أن الفوارق ليست إقليمية فحسب، بل اجتماعية واقتصادية وثقافية. فالمناطق المحرومة تجمع بين الفقر، بعد الخدمات، ونقص الأطر الطبية. وقد استفاد التقدم الصحي أولًا من المناطق المجهزة بشكل أفضل مسبقًا، مما عزز شعورًا بالظلم بين مناطق قريبة.

ما يقوله العاملون في النظام الصحي

للخروج عن نطاق الأرقام، يكشف مسح ميداني مع مسؤولين بوزارة الصحة ومنظمات مرتبطة بالقطاع عن ثلاث مشكلات رئيسية:

  1. غياب سياسة مستقرة لإدارة الموارد البشرية.
  2. نقص الوسائل المادية والمالية.
  3. عدم استقرار التوجهات الاستراتيجية، المرتبط بالتغيرات المتكررة في المسؤولين والأولويات السياسية.

تعتبر الحوكمة غير مرضية إلى حد كبير: فـ مركزية القرارات تحد من قدرة المناطق على تكييف الاستجابات وفق الاحتياجات المحلية. لدى المستشفيات استقلالية نظرية، لكن القرارات الرئيسية غالبًا ما تُتخذ عن بعد.

تشكل الظروف المادية نقطة ضعف أخرى: المباني غير ملائمة أو قديمة، المعدات متقادمة أو معطلة، لا سيما في المستشفيات الجهوية. تؤثر هذه المشاكل بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية وتحفيز الكوادر المهنية.

أخيرًا، تُعتبر إصلاحات التغطية الاجتماعية، وخصوصًا التأمين الصحي، ضرورية لكنها غير مكتملة. تؤدي البيروقراطية الإدارية وبطء إجراءات الاستقبال إلى استياء مستمر لدى المهنيين والمواطنين.

يُظهر النظام الصحي التونسي مفارقة شائعة في السياسات العامة: تقدم واضح على المستوى الوطني، لكن فوارق مستمرة على المستوى المحلي. تنتج هذه الفوارق عن خيارات الحوكمة، أساليب توزيع الموارد، والأولويات السياسية المتراكمة عبر الزمن.

لتقليص هذه الفوارق، لا يكفي تعزيز الميزانية فقط. بل يتطلب رؤية استراتيجية، تنسيق أفضل بين الفاعلين، لامركزية فعالة للقرارات، واهتمام خاص بالمناطق الأكثر ضعفًا. تظل الصحة، بوصفها حقًا أساسيًا، رافعة رئيسية للتماسك الاجتماعي والتنمية البشرية.

عصام البريكي- أستاذ باحث، جامعة صفاقس

الاطلاع على البحث العلمي

“Le système de santé en Tunisie : indicateurs, inégalités et perceptions”- Revue Recherches et études en Développement, Volume (09) / N (2), Décembre 2022, pp 322-343. 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *