تلعب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس دورًا محوريًا في الاقتصاد الوطني. غير أنها، عندما تسعى إلى التصدير، تصطدم بجملة من العوائق، أبرزها الفساد، وثقل الإجراءات الإدارية، وعدم الاستقرار السياسي. غير أن تأثير هذه العوامل يختلف باختلاف السياق.
في تونس، تمثل المؤسسات الصغرى والمتوسطة نحو 98% من النسيج الاقتصادي. وهي تساهم في خلق فرص العمل ودفع عجلة الابتكار. ومع ذلك، يظل حضورها على الصعيد الدولي محدودًا. فالفساد، وعدم الاستقرار السياسي، والعوائق التنظيمية، تخلق بيئة غير مستقرة تعقّد النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
تعتمد الدراسة التي نعرضها على بيانات البنك الدولي، التي جُمعت من 537 مؤسسة صغرى ومتوسطة تونسية. وتتناول موضوعًا نادرًا ما يتم تحليله، وهو: كيف يؤثر الفساد، عند اقترانه بعوامل أخرى، في كثافة الصادرات.
عندما يعيق الفساد التصدير
تُظهر الدراسة أن الفساد، بمفرده، لا يؤثر مباشرة على الصادرات. غير أنه عندما يتزامن مع عوائق تنظيمية ثقيلة (مثل تعقيد الإجراءات، وكثرة الوثائق، وبطء المعاملات الجمركية)، يصبح تأثيره سلبيًا بوضوح.
في هذه الحالة، لا يعود الفساد مجرد تكلفة إضافية، بل يتحول إلى عائق أمام الاستثمار. فتفضّل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، المحدودة الموارد أصلًا، الانكفاء على السوق المحلية بدل مواجهة بيروقراطية معقّدة وغير شفافة.

عدم الاستقرار السياسي: تأثير مفارق
على العكس، تُبرز الدراسة نتيجة مفاجئة: عندما يتزامن الفساد مع عدم الاستقرار السياسي، يصبح تأثيره على الصادرات إيجابيًا.
لماذا؟ لأن بعض المؤسسات الصغرى والمتوسطة، في مناخ يتسم بعدم اليقين، تسعى إلى تأمين أنشطتها من خلال التوجه نحو الأسواق الخارجية. فيتحول التصدير إلى استراتيجية بقاء: البحث عن أسواق أكثر استقرارًا، وتثمين الابتكار خارجًا، وتجاوز بيئة محلية غير متوقعة.
ليس كل المؤسسات على الوتيرة نفسها
لا تتوزع هذه الآثار بشكل متساوٍ. فالمؤسسات الصناعية تصدّر أكثر من مؤسسات الخدمات، لكنها في الوقت نفسه تتأثر بدرجة أكبر بتداخل الفساد مع القيود التنظيمية. أما مؤسسات الخدمات، فتتفاعل أساسًا مع عدم الاستقرار السياسي، إذ تزيد من صادراتها كلما أصبح المحيط أكثر اضطرابًا.
كما يلعب الحجم دورًا مهمًا. فالمؤسسات الصغيرة، التي غالبًا ما تكون هشّة، لا تملك الوسائل الكافية للتصدير بانتظام، مهما كان الوضع. في المقابل، فإن المؤسسات المتوسطة هي الأكثر قدرة على تكييف استراتيجياتها وفق المناخ المؤسسي: فهي تتراجع أمام التعقيدات البيروقراطية، لكنها تجرؤ على التوسع خارجيًا عندما يشتدّ الاضطراب السياسي.

تسلّط هذه الدراسة الضوء على مفارقة واضحة: فالفساد بمفرده لا يحدد سلوك المؤسسات الصغرى والمتوسطة التونسية تجاه التصدير. بل إن تأثيره يتحدد عند اقترانه بعدم الاستقرار السياسي أو بالعوائق التنظيمية، حيث يمكن أن يميل التأثير نحو الإيجاب أو السلبي.
بالنسبة لتونس، حيث يظلّ بطالة الشباب مرتفعة وتشكّل المؤسسات الصغرى والمتوسطة رافعة أساسية للتنمية، فإن فهم هذه الديناميات أمر بالغ الأهمية. فتبسيط الإجراءات، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، ومكافحة الفساد، كلها مفاتيح أساسية لإطلاق العنان لإمكانات التصدير.
رحيم القلال- المدرسة العليا للتجارة، قرطاج، تونس
مجيب البحري – التمويل الريادي، جامعة تيلو، كيبك، كندا
وفاء السقا – كلية سبرُوت للأعمال، جامعة كارلتون، أوتاوا، كندا
للاطلاع على الدراسة
“The impact of corruption on the export intensity of SMEs in Tunisia: moderating effects of political instability and regulatory obstacles”, publiée dans Journal of Entrepreneurship in Emerging Economies.