أحدثت أزمة كوفيد-19 تحوّلًا عميقًا في أنماط العمل في تونس. وبين العمل عن بُعد، والأشكال الجديدة للتنظيم، والضغط الصحي، اضطرت المؤسسات إلى التكيّف بسرعة. ومن وراء هذه التحولات، يبرز تساؤل محوري: كيف يمكن الحفاظ على صحة ورفاه العاملين في سياق يتّسم بعدم اليقين؟
في بداية الأزمة الصحية المرتبطة بكوفيد-19، اعتمد عدد متزايد من المؤسسات التونسية ممارسات مبتكرة في تنظيم العمل والإنتاج، ولا سيما من خلال الانتشار المتسارع للعمل عن بُعد. ويعكس هذا التحوّل السريع تغيّرات ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
ويبدو واضحًا أنّ هذه التحوّلات الرقمية قد أعادت تشكيل ظروف العمل بشكل عميق، مثيرةً قضايا جوهرية تتعلق بالسلامة والصحة والرفاه، في ظلّ ضغط صحي وتنظيمي مرتفع.
ومن ثمّ، يصبح فهم الآليات التي تؤثر من خلالها هذه الممارسات الجديدة في الصحة المهنية—لا سيما عبر الاعتراف المهني ومشاركة العاملين—أمرًا أساسيًا لتوجيه القرارات الإدارية.
العمل عن بُعد والتحوّلات: علاقة جديدة بالعمل

يتمثل الهدف من هذه التحوّلات في تحديد الشروط التي تُسهم في اعتماد ممارسات مبتكرة من شأنها تحسين السلامة والصحة والرفاه في العمل في تونس. وترتكز هذه المقاربة على منهجية إرغونومية تهدف إلى تكييف التنظيمات مع واقع الميدان.
وقد برز العمل عن بُعد، على وجه الخصوص، كرافعة أساسية لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، لكنه في المقابل أفرز قيودًا جديدة، من بينها العزلة، وتداخل الحياة المهنية مع الحياة الشخصية، والعبء الذهني المتزايد.
الاعتراف والاندماج: الركيزتان الجديدتان للرفاه في العمل

تُبرز النتائج المستخلصة من تحليل قاعدة بيانات Best Places to Work عنصرًا محوريًا يتمثل في أنّ الاعتراف في العمل يلعب دورًا حاسمًا في الصحة التنظيمية.
فهو يُعدّ عاملًا أساسيًا، خاصة في السياقات التي يُنتظر فيها مستوى عالٍ من انخراط العاملين. كما تبرز مسألة التوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية كأحد أبرز تطلعات الموظفين في تونس.
ويُظهر نموذج تحليلي التفاعل بين الاعتراف والانخراط، كاشفًا عن تأثيرهما المباشر على الرفاه في العمل.
أربعة ركائز لإعادة التفكير في الرفاه داخل المؤسسة
ترتكز الممارسات المبتكرة المُلاحظة على أربع دعائم أساسية:
• الرفاه الاجتماعي
• الرفاه النفسي
• الرفاه البدني
• الرفاه المالي

تشكل هذه الأبعاد، التي تم تحديدها لدى المؤسسات الأفضل تصنيفًا، إطارًا ناظمًا لسياسات الموارد البشرية في فترات الأزمات.
غير أنّ تطبيقها يظلّ متفاوتًا بين الجهات، مما يبرز ضرورة تكييف الاستراتيجيات مع الخصوصيات المحلية واحتياجات العاملين الفعلية.
ما الذي ينبغي على صُنّاع القرار استخلاصه؟
تُستخلص ثلاثة دروس رئيسية:
• يُعدّ الاعتراف في العمل رافعة أساسية للصحة التنظيمية، خاصة في أوقات الأزمات
• ينبغي أن يكون العمل عن بُعد مصحوبًا بسياسة متكاملة تأخذ في الاعتبار مختلف أبعاد الرفاه
• يجب تكييف الممارسات المبتكرة مع السياقات الجهوية وتطلعات العاملين الحقيقية

في المحصلة، تُسلّط هذه الدراسة الضوء على تحوّل عميق في طبيعة العمل في تونس. فإلى جانب مجرّد التكيّف مع الأزمة، شرعت المؤسسات في إعادة تعريف مستدامة لممارساتها التنظيمية.
كما تقترح إطارًا تحليليًا مفيدًا لقياس هذه التحوّلات وتوجيهها، مع فتح آفاق لبحوث جديدة حول شروط نجاحها.
حنان خنشال- دكتورة مؤهلة للإشراف على البحوث في علوم التصرفأستاذة مساعدة أولى بالمعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج
للاطّلاع على المقال
"خنشال، حنان (2022). قياس الممارسات المبتكرة لتعزيز السلامة والصحة والرفاه في مكان العمل في تونس خلال جائحة كوفيد-19. مجلة إدارة النظم البشرية، المجلد 41، العدد 2، الصفحات 211–220.