في تونس، يشهد النظام الصحي اليوم تحوّلات عميقة تعيد تشكيل الممارسات الطبية والعلاقات بين مختلف الفاعلين. وتُبرز دراسة علمية حديثة وجود توتر أساسي غالبًا ما يكون غير مرئي، لكنه يُعدّ جوهريًا في فهم هذا المجال: إنه التوتر بين منطق تقنين وتوحيد العلاجات وبين البعد الإنساني والاجتماعي للممارسة الطبية.
فخلف البروتوكولات والمعايير، يبرز واقع أساسي مفاده أن الممارسة الطبية لا تقوم على التقنية فقط، بل على مجموعة من المعتقدات والديناميكيات الاجتماعية التي توجّه سلوك الفاعلين.
لم تعد الطبابة المعاصرة مجرد تطبيق لقواعد علمية، بل أصبحت تمثّل ما يشبه «حقلًا اجتماعيًا» بالمعنى الذي قدّمه بيير بورديو، حيث ينخرط الفاعلون – من أطباء ومرضى ومؤسسات – في منظومة من القيم والاعتبارات التي يعتبرونها مشروعة ومؤثرة في قراراتهم وممارساتهم.

هذا الانخراط، الذي يُوصَف بـ«الـوهم الطبي»، يعكس استثمارًا عميقًا من قبل المهنيين في معنى وأهمية ممارساتهم. وهو يوجّه قراراتهم وتفاعلاتهم وعلاقتهم بمنظومة الصحة.
في هذا السياق، يصبح فهم الآليات التي تحكم الممارسة الطبية قضية استراتيجية. وتندرج دراسة «الوهم الطبي: بين العقلانية الشكلية والمنطق الاجتماعي» ضمن هذا الإطار تحديدًا. فهي تحلّل كيفية تأثر ممارسات الرعاية بصيغتين متكاملتين، لكنهما أحيانًا متعارضتان: من جهة، عقلانية شكلية تقوم على البروتوكولات والنجاعة والتوحيد القياسي؛ ومن جهة أخرى، منطق اجتماعي يرتكز على التفاعل والتكيّف مع الحالات الفردية وأخذ الأبعاد الإنسانية بعين الاعتبار.
ممارسة طبية بين التقييس والتفريد

الاستنتاج الأول الأساسي: إن الممارسة الطبية تتشكل من توتر دائم بين متطلبين.
من جهة، تضمن موحَّدة الرعاية (توحيد المعايير) العدالة والانسجام وسلامة العلاجات. فالبروتوكولات الطبية، المبنية على الأدلة العلمية، تسمح بتوحيد الممارسات وتقليل المخاطر.
ومن جهة أخرى، تفرض واقع الميدان ضرورة التكيّف المستمر. فكل مريض حالة فريدة، ولكل وضع خصوصيات اجتماعية أو ثقافية أو نفسية. وهنا يأتي المنطق الاجتماعي للرعاية ليخفف من صرامة المعايير.
هذا التباين يكشف حقيقة غالبًا ما يتم التقليل من شأنها: جودة الرعاية لا تعتمد فقط على احترام البروتوكولات، بل أيضًا على قدرة المهنيين على تكييف ممارساتهم مع خصوصية كل حالة.
الوهم الطبي: محرّك خفي للسلوكيات
في صميم التحليل، يتيح مفهوم «الوهم» فهم سبب استمرار المهنيين في الانخراط الكامل في المنظومة الطبية رغم قيودها.
فالأطباء يتبنون بعمق قيم مهنتهم (الخبرة، المسؤولية، والالتزام)، مما يدفعهم إلى قبول قواعد اللعبة حتى عندما تولّد هذه القواعد توترات.
وبعبارة أخرى، يعتمد سير عمل النظام الصحي إلى حد كبير على هذا الاعتقاد المشترك بشرعية الطب. ويساهم هذا الانخراط في استقرار النظام، لكنه قد يُخفي أيضًا بعض التناقضات أو يعيق عمليات التغيير.

آثار ملموسة على الفاعلين والمنظومة
تُبرز الدراسة عدة آثار مباشرة لهذا التوتر.
بالنسبة للأطباء، فإن التداخل بين المتطلبات الإدارية والقيم المهنية قد يولّد شعورًا بالضغط، بل وحتى الإرهاق. كما أن ازدياد التوحيد القياسي يميل إلى تقليص استقلاليتهم ويزيد من تعقيد ممارستهم اليومية.
أما بالنسبة للمرضى، فإن التطبيق الصارم للبروتوكولات قد يحدّ أحيانًا من مراعاة احتياجاتهم الخاصة.
وبالتالي، يكمن الخطر في إنتاج طبّ أكثر كفاءة من الناحية التقنية، لكنه أقلّ انتباهاً لخصوصية الأفراد.
وعلى مستوى المؤسسات، يتمثل التحدي في إيجاد توازن بين الأداء، وجودة الرعاية، وإنسانية الممارسات.

ما يجب أن يستخلصه صناع القرار
تُقدّم نتائج هذا البحث عدة دروس أساسية لأنظمة الصحة.
الدرس الأول: لا يمكن التفكير في الأداء الطبي من منظور الفعالية التقنية فقط، بل يجب أن يدمج البعد الاجتماعي والعلاقاتي للرعاية.
الدرس الثاني: رغم أهمية التوحيد القياسي، ينبغي أن يظل مرنًا بما يسمح بالتكيّف مع الحالات الفردية.
النقطة الثالثة: يجب أن تراعي إصلاحات النظام الصحي الديناميكيات الاجتماعية وتمثّلات الفاعلين، وإلا فقد تواجه مقاومة.

في النهاية، يسلّط هذا التحليل الضوء على حقيقة أساسية: الطب هو في آنٍ واحد علم وممارسة اجتماعية. وبين العقلانية الشكلية والمنطق الإنساني، يظلّ التوازن هشًّا.
بالنسبة لأنظمة الصحة، يتجاوز التحدي مجرد تطبيق البروتوكولات، ليصبح بناء نموذج قادر على التوفيق بين النجاعة، والإنصاف، واحترام تفرد المريض. وإلا فإن الخطر يكمن في تفاقم التوترات الداخلية وإضعاف جودة الرعاية الصحية بشكل عام.
حنان خنشال- دكتورة محاضرة مؤهلة (HDR) في علوم التصرف، أستاذة مساعدة بالمعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج
للاطّلاع على المقال
"Khanchel-Lakhoua, H. (2025). The Medical Illusio: Between Formal Rationality and Social Logic. La Tunisie Médicale, 103(4).