تستهلك تونس اليوم كمية كبيرة من الطاقة مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثين سنة، وتبعت انبعاثاتها من الغازات الدفيئة نفس هذا المنحنى. وراء هذا الارتفاع، تجري تحولات عميقة: اقتصاد ينمو، وسكان يتجهون نحو المدن، مع جهود حقيقية للسيطرة بشكل أفضل على استخدام الطاقة. بين التنمية والطوارئ المناخية، يتقدم البلد على خط متوازن، باحثًا عن التوازن بين النمو والاستدامة.
تعد الطاقة ضرورية لحياتنا ولأي نشاط اقتصادي. في تونس، كما في غيرها من البلدان، تأتي هذه الحاجة مع تكلفة بيئية، نتيجة ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. بين سنتي 1990 و2008، زاد الطلب الوطني على الطاقة، مدفوعًا بالنمو الاقتصادي وتزايد عدد السكان في المناطق الحضرية.
مع ذلك، ملاحظة تطور استهلاك الطاقة مع مرور الوقت وحدها لا تكفي لفهم الأسباب الحقيقية وراءه. لفهم الآليات، من الضروري اتباع منهج علمي دقيق، قادر على تقديم تحليل رجعي للاستهلاك الطاقي. هذا النهج يسمح بتحديد العوامل الرئيسية وراء هذا التطور: نمو الإنتاج، التحولات في هيكل القطاعات الاقتصادية، وكثافة الطاقة، أي كمية الطاقة اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من الثروة.
يلخص هذا النص هذه النتائج بشكل واضح وموصل، ليتمكّن كل فرد من فهم التحديات الطاقية في تونس، الإنجازات المحققة، والمسارات الممكنة نحو مستقبل أكثر استدامة.
تونس في مواجهة احتياجاتها الطاقية المتزايدة
في تونس، يهيمن النفط والغاز الطبيعي على العرض الطاقي. ومع ذلك، منذ سنة 2001، أصبحت البلاد مستوردة صافية للطاقة، إذ ظل الإنتاج المحلي راكدًا بينما استمر الطلب في الارتفاع. ويتماشى هذا الارتفاع مع نمو اقتصادي مستدام، حيث بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 4,8٪ سنويًا بين 1990 و2010.
تُعد القطاعات الصناعية وقطاع النقل والمساكن المستهلكين الرئيسيين للطاقة، وقد ساهمت بشكل كبير في زيادة الاستهلاك الكلي. في المقابل، زادت انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بالطاقة، وإن كان ذلك بطريقة معتدلة مقارنة بالدول الصناعية. ويشكل السكان الحضريون الآن 65٪ من إجمالي السكان، مما يزيد من الاحتياجات الطاقية المرتبطة بالحياة اليومية.

لماذا يزداد استهلاكنا فعليًا؟
لفهم محركات هذا التطور، تستخدم طريقة دقيقة تُعرف باسم طريقة التحليل التفكيكي، والتي تسمح بعزل ثلاثة عوامل رئيسية:
- تأثير النشاط الاقتصادي: وهو تأثير النمو الاقتصادي الذي يؤدي إلى طلب أكبر على الطاقة.
- تأثير الهيكل الاقتصادي: ويعكس التغيرات في تركيب الاقتصاد، مثل التحول التدريجي من الصناعة إلى الخدمات، التي عادةً ما تكون أقل استهلاكًا للطاقة.
- تأثير الكفاءة الطاقية (الكثافة الطاقية): وهو قياس مدى كفاءة استخدام الطاقة، أي كمية الطاقة المستهلكة لإنتاج وحدة واحدة من الثروة.
تمكّن هذه الطريقة من فهم أعمق لأسباب التغيرات عبر الزمن، مع تمييز واضح لدور كل عامل.
ويظهر التحليل أن النشاط الاقتصادي هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع الطلب على الطاقة. ومع ذلك، تم تعويض هذا الارتفاع جزئيًا بواسطة عاملين:
- تحسين الكفاءة الطاقية، ما يسمح باستخدام طاقة أقل لإنتاج نفس كمية الثروة.
- إعادة توجيه الاقتصاد تدريجيًا نحو قطاعات أقل استهلاكًا للطاقة، مثل قطاع الخدمات.

الطاقة في منازلنا
يتبع الاستهلاك الطاقي المنزلي مسارًا مختلفًا، ويرجع ذلك أساسًا إلى النمو السكاني وارتفاع مستويات الدخل. يعيش عدد أكبر من الناس في المناطق الحضرية، ويتمكن دخلهم من الوصول إلى المزيد من الأجهزة الكهربائية وأنظمة التدفئة أو التكييف. وتساهم تحسينات كفاءة استخدام الطاقة جزئيًا في تخفيف هذا الارتفاع في الاستهلاك المنزلي، لكن رغم ذلك، يستمر الاستهلاك في الازدياد.

يُبرز تحليل البيانات التونسية بين 1990 و2008 التحديات المرتبطة بنمو الاستهلاك الطاقي. ويُظهر أن النمو الاقتصادي وزيادة السكان يزيدان الطلب على الطاقة، بينما يُمكن أن يُساهم إعادة النظر في أساليب الإنتاج واستخدام الطاقة في الحد من زيادة الاستهلاك وانبعاثات الملوثات.
ومن أجل بناء مستقبل مستدام، يظل من الضروري تعزيز السياسات الخاصة بكفاءة الطاقة وتطوير الطاقات المتجددة.
سناء الصابر جويني – المعهد العالي للمحاسبة وإدارة الأعمال ، جامعة منوبة ، ومختبر الاقتصاد وإدارة الصناعة، تونس
الاطلاع على البحث
“Chapter 9 Energy Consumption in Tunisia over 1990-2008: A Decomposition Analysis Using Logarithmic Mean Divisia Index Technique”